فهم السنة، تعلّمها، والعمل بها

الأبواب

علوم الحديث لطالب العلم · 5 / 8

المتواتر والآحاد: عدد الطرق ومعنى الثبوت

كيف ينظر المحدثون إلى انتشار الخبر في طبقات نقله، ولماذا لا تساوي الشهرة العامة التواتر أو الصحة؟

فهرس هذا الباب

المتواتر وصف لطريقة وصول الخبر

المتواتر خبر تنقله جماعات يمتنع في العادة تواطؤها أو توافقها على الكذب، عن مثلها إلى أصل الخبر، ويكون مستندها الحس كالسماع والمشاهدة. ويذكر ابن حجر حصول العلم لسامعه ضمن شروطه. فالمقصود ليس مجرد رقم كبير في آخر الطريق، بل كيفية نقل تمنح اليقين بالخبر من مجموعها.

ومعنى استناد الخبر إلى الحس أن أصل الإخبار عما سُمع أو شوهد، لا عن رأي توصل إليه جماعة بالنظر. كما أن استمرار الشرط في طبقات النقل أساسي؛ فلو تلقى مئات الأشخاص خبرًا عن رجل واحد، أثبت اجتماعهم ما نقله ذلك الرجل، لكنه لا يجعل مصدره الأول جماعة. والعدد المؤثر مرتبط بحال النقل، فلا يعرض هذا التعريف رقمًا واحدًا بوصفه حدًا متفقًا عليه في كل خبر.

الآحاد لا تعني دائمًا راويا واحدًا

الآحاد ما لم يجمع شروط المتواتر. ويدخل فيه المشهور والعزيز والغريب في التقسيم الاصطلاحي: فالمشهور له ثلاثة رواة فأكثر في طبقاته من غير بلوغ التواتر، والعزيز يكون أقل عدد لرواته في طبقة من طبقاته اثنين، والغريب ينفرد به راوٍ في موضع من الطريق. والعبرة بالطبقة الأقل عددًا، لا بجمع أسماء جميع من رواه عبر القرون.

هذه أسماء تصف انتشار الرواية، وليست أحكامًا جاهزة بقبولها. ففي الآحاد الصحيح والحسن والضعيف، ويبحث في أحوال ناقليه وطرقهم. كما أن «المشهور» قد تستعمل خارج هذا التقسيم بمعنى المتداول بين الناس أو بين طائفة من أهل العلم. فقد تشتهر عبارة على الألسنة مع أن طريقها لا يثبت، وقد يصح حديث لا يعرفه عامة الناس.

والصحيح من الآحاد حجة يجب العمل بها عند جمهور أهل العلم. أما مقدار العلم الذي يفيده فله تفصيل: يختار ابن حجر أن خبر الآحاد قد يفيد العلم النظري إذا احتفت به قرائن معتبرة، وأن الصحيح المجرد منها يفيد الظن الراجح. فدرجة اليقين تتصل بالقرائن وأحوال النقل، وليست نتيجة حساب عدد الرواة وحده.

حديث النيات: غريب في أصله، مشهور بعد يحيى

يضرب ابن الصلاح بحديث النيات مثالًا على التفرد الصحيح: انفرد به عمر، ثم علقمة بن وقاص، ثم محمد بن إبراهيم، ثم يحيى بن سعيد، بحسب الطرق الصحيحة المعروفة عند أهل الحديث. ثم كثر ناقلوه بعد ذلك. فانتشاره الواسع لا يغير صورة طبقاته الأولى؛ ولهذا لا يصير متواترًا لمجرد شيوعه بعد يحيى.

وفائدة المثال أن الغرابة لا تساوي النكارة، كما أن التفرد لا يساوي الخطأ. فقد أخرج أصحاب الصحيح هذا الحديث وقبلوه، مع معرفتهم بتفرد أوائل طريقه. السؤال النقدي يتعلق بأهلية الناقل وبالقرائن المحيطة بروايته، أما سؤال التواتر فيتعلق بتحقق وصف آخر في مجموع طبقات النقل.

تطبيق آخر: الوعيد على الكذب

يذكر ابن الصلاح حديث الوعيد على الكذب على النبي ﷺ مثالًا للتواتر، وينقل كثرة من رواه من الصحابة. وفي صحيح البخاري رواية أنس بلفظ: «من تعمد علي كذبًا»، وفي الموضع التالي رواية سلمة التي تنهى عن نسبة كلام إلى النبي لم يقله. تتيح هاتان الروايتان رؤية مثالين فعليين من اختلاف مخارج الخبر.

ولا تستقل هاتان الصفحتان بإثبات جميع شروط التواتر؛ حكم ابن الصلاح مبني على مجموعة أوسع من الطرق. ومن هذا المثال نفهم الفرق بين عرض عينة من الأدلة وبين دعوى استيعابها. كما نفهم أن نقل لفظ حديث بعينه يحتاج إلى عزوه لروايته، ولو كانت معاني الوعيد ثابتة في أخبار كثيرة متقاربة.

المراجع

  1. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر

    أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني · أقسام الخبر باعتبار طرقه؛ شروط المتواتر والمشهور والعزيز والغريب، النص العربي

    يبين شروط التواتر ودلالة التقسيم العددي، وأن الأقسام الأخرى تدخل في الآحاد.

  2. علوم الحديث — معرفة المشهور

    عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح · النوع الموفي ثلاثين، اختلاف الشهرة ومثال الوعيد على الكذب

    يفرق بين الشهرة والصحة، وينفي تواتر حديث النيات في أصله ويذكر مثالًا للمتواتر.

  3. علوم الحديث — معرفة الشاذ

    عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح · النوع الثالث عشر، مناقشة التفرد ومثال حديث النيات

    يسمي طبقات التفرد في حديث النيات ويبين أن تفرد العدل المتقن لا يرد على الإطلاق.

  4. صحيح البخاري — رواية أنس في الوعيد على الكذب

    محمد بن إسماعيل البخاري · كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي، الحديث 108

    نص صحيح من أحد الصحابة الذين نقلوا الوعيد، ويظهر خصوص لفظ هذه الرواية.

  5. صحيح البخاري — رواية سلمة في الوعيد

    محمد بن إسماعيل البخاري · كتاب العلم، الباب نفسه، الحديث 109

    طريق عن صحابي آخر في المعنى نفسه، يستخدم عينة توضح تعدد المخارج لا استيعاب جميع الطرق.

سؤال للمراجعة

روى حديثًا مئة شخص عن راوٍ واحد في طبقة سابقة؛ هل يكفي عددهم ليكون متواترًا؟

الإجابة وشرحها

لا. يشترط تحقق وصف التواتر على امتداد الطبقات؛ وكثرة الآخذين عن فرد لا تجعل ذلك الفرد جماعة.

سؤال للمراجعة

هل يلزم من وصف حديث بأنه آحاد أنه ضعيف؟

الإجابة وشرحها

لا. الآحاد وصف لعدم تحقق التواتر، وفيه الصحيح والحسن والضعيف. ودرس حديث النيات يبين إمكان اجتماع التفرد والصحة.

احفظ أو شارك هذه الصفحة

دفتر قراءتك محفوظ على هذا الجهاز.