فهم السنة، تعلّمها، والعمل بها

الأبواب

علوم الحديث لطالب العلم · 2 / 8

شروط الصحيح والحسن والضعيف

معنى مراتب القبول، وكيف تتعاون العدالة والضبط والاتصال والنقد المقارن في تقويم الرواية.

فهرس هذا الباب

الصحة حكم له شروط

الصحيح لذاته خبر اتصل سنده بنقل رواة عدول تامي الضبط، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة. يتعلق الاتصال بوصول كل راوٍ إلى من نقل عنه بطريق معتبر، وتتعلق العدالة باستقامته وصدقه، والضبط بإتقانه ما يؤديه. فصدق الإنسان شيء، وقدرته على حفظ الأسماء والألفاظ والتمييز بينها شيء آخر. وقد تجتمع الاستقامة مع ضعف الذاكرة، فلا يغني أحد الشرطين عن الآخر.

ويبقى بعد النظر في الطريق والرواة سؤال المقارنة. فالشذوذ، في التعريف الذي اعتمده ابن حجر هنا، مخالفة الراوي المقبول لمن هو أرجح منه، والعلة القادحة سبب خفي يؤثر في صحة الخبر مع أن ظاهره السلامة. لهذا لا يكفي أن تبدو أسماء الإسناد مقبولة؛ فقد يكشف جمع الروايات أن لفظًا أُدخل في الخبر أو أن وصلًا وقع فيه وهم.

الحسن ودرجات التقوية

الحسن لذاته يشترك مع الصحيح في بقية شروط القبول، لكن ضبط راويه أخف من ضبط راوي الصحيح، من غير أن ينزل إلى سوء الحفظ المردود. ويصف ابن الصلاح أحد قسمي الحسن بأن ناقله معروف بالصدق والأمانة، لكنه دون رجال الصحيح في الإتقان. فالحسن ليس خبرًا عرفنا كذبه ثم تساهلنا فيه، بل مرتبة من الرواية المقبولة لها قدر من الثقة دون المرتبة الأعلى.

وقد تأتي للخبر روايات مستقلة تقويه. فإذا انضم إلى الحسن لذاته ما يجبر نقص ضبطه، سمي الصحيح لغيره. وقد ينجبر ضعف غير شديد بمتابعات وشواهد معتبرة، فيسمى الحسن لغيره. والمقصود بالمجموع اجتماع أدلة لها قيمة، لا تكرار الطريق الضعيف نفسه في كتب متعددة. أما تعدد الأخبار المتهمة بالكذب، فلا يحولها بمجرد العدد إلى خبر مقبول.

الضعف لا يعني دائمًا الاختلاق

الضعيف هو ما لم تتوافر فيه شروط الصحيح ولا الحسن. وأسبابه متفاوتة؛ فقد يكون في السند راوٍ مجهول الحال، أو انقطاع، أو سوء حفظ، أو مخالفة قادحة. ومن ثم لا تحمل كلمة «ضعيف» وحدها بيان السبب ودرجته. وقد تجتمع أسباب متعددة في خبر واحد، فيشتد ضعفه مقارنة بخبر فقد شرطًا يمكن أن يجبره دليل آخر.

أما الموضوع فهو الخبر المختلق المنسوب إلى النبي ﷺ كذبًا، وليس اسمًا لكل ما لم يصح. يوضح ابن الصلاح أن نفي الصحة لا يساوي القطع بالكذب في نفس الأمر. ومن ثمرات هذا الفرق أن عبارة «لم يثبت بهذا الطريق» تصف مقدار الدليل المتاح، بينما «ثبت أنه مختلق» تتضمن حكمًا آخر يحتاج إلى ما يدل عليه.

تطبيق: الحلال والحرام والشبهات

أخرج البخاري حديث النعمان بن بشير: «الحلال بيّن والحرام بيّن». وفي سنده يقول عامر إنه سمع النعمان، ويقول النعمان إنه سمع رسول الله ﷺ. هذه الألفاظ تظهر تلقيًا مباشرًا في هاتين الوصلتين. وينتقل المتن من بيان المشتبهات إلى مثال الراعي قرب الحمى، ثم إلى أثر صلاح القلب؛ فهو بناء تعليمي متصل، وليس مجموعة حكم متفرقة.

نعتمد صحة هذا المثال على تخريجه في صحيح البخاري، ولا نستنتجها من بلاغته أو من وجود كلمة «سمعت» وحدها. فالألفاظ المذكورة توضح جانب الاتصال، أما بقية شروط الصحة فموضوع عمل النقاد. وهكذا يفرّق التطبيق بين رؤية علامة معينة في السند وبين استكمال الحكم على الحديث بجميع عناصره.

المراجع

  1. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر

    أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني · تعريف الصحيح لذاته والحسن لذاته، ثم المحفوظ والشاذ والوهم

    أصل صياغة شروط الصحيح والفرق بينه وبين الحسن، وتفسير أثر المخالفة والعلة.

  2. علوم الحديث — معرفة الحسن

    عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح · النوع الثاني، قسما الحسن والتنبيهات المتعلقة باعتضاد الطرق

    يشرح تفاوت الحفظ، وأن بعض صور الضعف تنجبر بالموافقة المعتبرة دون أن تكون كل رواية صالحة للتقوية.

  3. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر

    أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني · تحقيق عبد المحسن القاسم، ص 120، الصحيح لغيره

    يفسر انتقال الحسن إلى الصحيح لغيره بقوة مجموع الطرق وجبر النقص في الضبط.

  4. علوم الحديث — معرفة الضعيف

    عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح · النوع الثالث، الضابط الجامع لأقسام الضعيف

    يؤسس لتعريف الضعيف وتفاوت أسبابه واجتماع أكثر من سبب في خبر واحد.

  5. علوم الحديث — معنى نفي الصحة

    عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح · النوع الأول، التنبيه بعد تعريف الصحيح

    يفرق بين عدم تحقق شروط الثبوت وبين القطع بأن الخبر كذب.

  6. صحيح البخاري — الحلال والحرام

    محمد بن إسماعيل البخاري · كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، الحديث 52

    مثال صحيح تظهر فيه صيغ السماع، ويبين لماذا لا يغني فحص وصلة واحدة عن النظر في شروط الحكم كلها.

سؤال للمراجعة

راوٍ صادق لكنه كثير الخطأ في الأسماء والألفاظ؛ أي شرط يتأثر مباشرة؟

الإجابة وشرحها

يتأثر الضبط. لا تكفي الاستقامة والصدق وحدهما لإثبات إتقان النقل، ويقدر أثر الخطأ بحسب حال الراوي والرواية.

سؤال للمراجعة

وجد خبر ضعيف في خمسة كتب، وكلها ترويه بالطريق نفسه؛ هل صار حسنًا لغيره بمجرد ذلك؟

الإجابة وشرحها

لا. تكرار الطريق في عدة كتب ليس خمس شهادات مستقلة. التقوية تحتاج إلى طرق معتبرة مع النظر في سبب الضعف وإمكان انجباره.

احفظ أو شارك هذه الصفحة

دفتر قراءتك محفوظ على هذا الجهاز.