معنى الحديث والسنة، مع أمثلة من كلام النبي ﷺ وعبادته وإقراره وأخلاقه، وبيان الفرق بين الخبر وثبوته ومعناه.
ما الذي ننقله عن النبي ﷺ، وكيف نفهم اسمَي الحديث والسنة؟
عرف الصحابة النبي ﷺ من كلامه، ومن عبادته ومعاملته للناس، ومن مواقف رأوها وسألوه عنها. ونقلت إلينا الروايات جوانب هذا التعليم والحياة. لذلك يشمل الحديث أكثر من جملة تبدأ بعبارة «قال رسول الله»، وتدل السنة على هديه وطريقته، مع استعمالات علمية يوضحها السياق.
الحديث خبر عما نُسب إلى النبي ﷺ
الحديث النبوي، في التعريف الشائع عند المحدثين، هو ما أُضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. ومعنى «أُضيف» أنه نُسب إليه: فقد ينقل الراوي كلامًا سمعه منه، أو عملًا شاهده، أو موقفًا أقره، أو وصفًا لهيئته وأخلاقه. ويورد السخاوي هذه الأنواع في أول كتابه «فتح المغيث».
يجمع هذا التعريف صورًا مختلفة من المعرفة بشخص النبي ﷺ وهديه. فالراوي الذي يصف صلاته ينقل حديثًا، وإن لم تكن الرواية كلها كلامًا قاله النبي. والذي يصف رحمته ينقل جانبًا من شمائله. ويساعد هذا الاتساع على فهم تنوع أبواب كتب الحديث؛ ففيها العبادة والمعاملة والأدب والسيرة وصفات النبي، وكل باب يكشف جانبًا من حياته وتعليمه.
وتتعلق كلمة «حديث» هنا بنوع الخبر المنقول. أما ثبوت نسبته فله بحث آخر؛ ولهذا نجد في علم الحديث أوصاف الصحيح والحسن والضعيف. التعريف يبيّن ما الذي تدرسه هذه العلوم، ثم يأتي النقد ليفحص الروايات الداخلة فيه.
القول والفعل: تعليم بالكلام والمشاهدة
من الحديث القولي قول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات». رواه عمر بن الخطاب، وافتتح به البخاري صحيحه. هنا ينقل الصحابي عبارة نبوية، ويتجه فهمها إلى معنى الكلمات والعلاقة التي تقيمها بين العمل وقصد صاحبه؛ فقد تتشابه صورتان من العمل ويختلف ما يقصده صاحبهما.
ومن التعليم بالفعل ما رواه مالك بن الحويرث: أقام مع جماعة من الشباب عند النبي ﷺ عشرين يومًا وليلة، ثم وجّههم إلى العودة إلى أهليهم وتعليمهم، وقال: «وصلوا كما رأيتموني أصلي». شاهدوا الصلاة ثم حملوا خبرها وتعليمها إلى غيرهم. فالقول في هذا الحديث يربط التعلم بالمشاهدة، والروايات التي تصف الصلاة تنقل الفعل المشاهد.
قد يجتمع القول والفعل في رواية واحدة، كما اجتمعا هنا. وتقسيم الحديث إلى أنواع يوضح جهة النقل، ولا يفرض أن تكون كل رواية محصورة في نوع واحد. فالمشهد التعليمي يجمع كلام المعلم، وعمله، وفهم من حضر عنده.
التقرير: أن يعلم بالفعل ويقره
التقرير هو أن يعلم النبي ﷺ بقول أو فعل ويقره، كأن يقع أمامه فلا ينكره مع قدرته على البيان. والمثال الواضح حديث خالد بن الوليد في أكل الضب: قُدّم الطعام للنبي ﷺ، فلما علم أنه ضب تركه. فسأله خالد: أحرام هو؟ فأجابه بالنفي، وبيّن أنه لا يألفه في أرض قومه. ثم أكل خالد والنبي ﷺ ينظر.
تكشف القصة الفرق بين ميل الإنسان الشخصي وبين بيان التحريم. فترك النبي لهذا الطعام صاحبه تفسير منه، ثم إقرار لأكل خالد. ومن هنا تأتي قيمة الرواية كاملة: لو اقتصر النقل على أنه لم يأكل، لذهبت تفاصيل تشرح سبب الترك. والإقرار في هذا المثال يستند إلى علم النبي بالفعل وحضوره، وإلى جوابه الصريح عن سؤال خالد.
الصفة: الهيئة والأخلاق
تشمل الصفة المنقولة ما يتعلق بالخِلقة، أي الهيئة الجسدية، وما يتعلق بالخُلُق، أي السلوك والطباع. وصف أنس النبي ﷺ بأنه متوسط القامة، كما في صحيح البخاري. وفي حديث آخر وصف طريقته مع الناس بأنه لم يكن سبابًا ولا فحاشًا ولا لعانًا. فالرواية الأولى تعرّف القارئ بهيئته، والثانية تعرّفه بأدبه.
وتفسر هذه الأمثلة وجود أبواب الشمائل والآداب إلى جانب أبواب الأحكام. فمعرفة النبي ﷺ تشمل صورته الإنسانية وكيفية معاشرته للناس. ووصف خِلقي، كالقامة، يختلف في طبيعة دلالته عن خُلُق يقتدى به؛ إذ يفيد الأول التعرف إلى شخصه، بينما يكشف الثاني عن طريقة تعامله التي شهدها أصحابه.
السنة: الهدي، وقد تعني المستحب في الفقه
تدل السنة في أصل استعمالها على الطريقة. وعندما نتحدث عن سنة النبي ﷺ بهذا المعنى، نقصد هديه الذي جاء به وعلّمه. ويظهر ذلك في حديث الثلاثة الذين أراد أحدهم دوام قيام الليل، والثاني دوام الصيام، والثالث ترك الزواج؛ فبيّن النبي طريقته في العبادة والحياة، وسمّاها سنته. موضوع الحديث هو اتباع هذا الهدي وفهمه.
وفي كتب الحديث يكثر استعمال الحديث والسنة بمعنى متقارب، كما يذكر السخاوي. أما في كتب الفقه فقد ترد كلمة «سنة» لتسمية حكم فعل معين، بمعنى مستحب أو مندوب، في مقابل الواجب. ومن أمثلته تعبير «سنة الفجر» عن الركعتين قبل الفريضة. وقد شرح ابن باز هذا الفرق بين إطلاق السنة على الهدي كله وإطلاقها على النوافل.
يتضح المعنى من موضوع الكلام: عبارة «ورد في السنة» تشير إلى مصدر نبوي، وعبارة «هذا الفعل سنة» قد تصف مرتبته الفقهية. فالحديث أو السنة بوصفهما مصدرًا قد يبيّنان واجبًا أو مستحبًا أو غير ذلك، بينما «سنة» في العبارة الفقهية اسم لحكم مخصوص.
من معرفة نوع الخبر إلى ثبوته ومعناه
بعد معرفة هذه الأنواع، تظهر ثلاثة أسئلة متصلة: ماذا نُقل؟ وهل ثبت نقله؟ وماذا يدل عليه؟ فحديث خالد، مثلًا، يحتوي فعلًا وقولًا وإقرارًا؛ ومصدره المذكور صحيح البخاري؛ ومعناه يتضح بربط ترك الطعام بجواب النبي وسلوك خالد. لكل سؤال مادته، وتجتمع الإجابات لتكوين فهم واضح.
ويشرح ابن الصلاح الصحيح من جهة اتصال الإسناد، وعدالة الرواة وضبطهم، والسلامة من الشذوذ والعلة. فالثقة بالرواية تقوم على فحص طريقها ومادتها. ثم يكشف الشرح دلالة النص ولغته وسياقه. وبهذا تتكامل معرفة الحديث بوصفه خبرًا منقولًا مع معرفة السنة بوصفها هديًا نتعرف إليه من الروايات الثابتة.
سؤال للمراجعة
ماذا يوضح مثال الضب؟
الإجابة وشرحها
أن فهم الترك يتصل بسبب الترك وجواب النبي وإقراره فعل خالد.
ترك النبي أكل الضب لعدم اعتياده له، وأجاب بأنه ليس حرامًا، وأقر خالدًا على أكله. يظهر معنى التقرير من الموقف كاملًا.