علوم الحديث لطالب العلم · 3 / 8
الاتصال والانقطاع وأنواعه
ماذا يعني وصول الخبر من راوٍ إلى آخر، وكيف تختلف صور السقط في موضعها وعدد رواتها؟
فهرس هذا الباب
الاتصال علاقة نقل لا مجرد قائمة أسماء
المتصل هو ما اتصل طريقه إلى منتهاه؛ فكل راوٍ أخذه عمن فوقه بطريق تحمل معتبر. ويذكر ابن الصلاح أن الاتصال يصدق على ما انتهى إلى النبي ﷺ وعلى ما انتهى إلى الصحابي. فهو وصف لطريق الخبر، وليس حكمًا بأن نهايته نبوية، ولا شهادة مكتملة بصحته. فقد يكون الطريق متصلًا وفي أحد رواته ضعف، وقد يكون صحيحًا إلى قول صحابي.
ولا تكفي معاصرة رجلين لإثبات سماع كل خبر بعينه بينهما. يستفيد النقاد من صيغ الأداء وتواريخ الولادة والوفاة والرحلة وأخبار اللقاء والسماع. وقد يقع الانقطاع ظاهرًا، كأن يروي شخص عن رجل مات قبل ولادته، وقد يخفى مع إمكان اللقاء في الظاهر. ولذلك يشبه اتصال السند إثبات العلاقات بين الأسماء، لا مجرد كتابة الأسماء في ترتيب.
المعنعن: ماذا تفيد كلمة «عن»؟
المعنعن هو ما قال فيه الراوي «عن فلان» بدل التصريح بـ«سمعت» أو «حدثني». يحمل مسلم عنعنة الثقة غير المدلس على الاتصال إذا عاصر من روى عنه وكان لقاؤهما ممكنًا ولم يقم دليل على انقطاع الرواية. أما ابن حجر فاختار اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، ونسب هذا إلى علي بن المديني والبخاري. والخلاف هنا في القرينة الكافية لقبول العنعنة، لا في اشتراط التصريح بالسماع في كل حديث.
فإذا قال ثقة غير مدلس «عن شيخه»، ننظر إلى معرفتنا بالعلاقة بينهما وإلى قرائن النقل. أما رواية المدلس بصيغة محتملة فلها بحث خاص؛ لأنه قد يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه. يفسر هذا لماذا جمع المحدثون أخبار الرحلات والسماع واللقاء إلى جانب تواريخ الرواة: هذه المعلومات تساعدهم على قراءة الصيغة القصيرة قراءة دقيقة.
المعلق والمرسل
المعلق هو ما حُذف من أول سنده راوٍ أو أكثر على التوالي، والمراد بالأول جهة المصنف. فإذا ذكر مصنف متأخر قولًا نبويًا بلا طريقه إليه، فقد حذف أول الإسناد، وربما حذفه كله. هذا وصف لطريقة إيراد الخبر في ذلك الموضع؛ وقد يوجد الخبر نفسه موصولًا في موضع آخر، فلا يلزم أن تكون جميع طرقه معلقة.
والمرسل في الاصطلاح المشهور هو أن ينسب التابعي الخبر إلى النبي ﷺ من غير ذكر الواسطة. والتابعي لقي الصحابة ولم يلق النبي مؤمنًا به، فلا يكون هذا سماعًا مباشرًا منه. منشأ البحث أن الطريق المحذوف لم يتبين لنا كله؛ ولا يصح افتراض أن كل إرسال يخفي صحابيًا واحدًا فقط. وقد استعمل بعض العلماء كلمة المرسل بمعنى أوسع يشمل صورًا أخرى من الانقطاع.
وحكم المرسل عند جمهور نقاد الحديث الضعف لعدم معرفة الواسطة المحذوفة وحالها. وقد يقوى بما يعضده من طريق معتبر أو دليل آخر، وللفقهاء مذاهب وتفصيل في الاحتجاج بالمراسيل. لذلك يشرح ابن الصلاح صورة الإرسال ثم ينتقل إلى حجته: فمعرفة نوع السند تمهد لفهم حكمه، لكنها لا تختصر اختلاف أهل العلم في جميع صوره.
المعضل والمنقطع
إذا سقط من السند اثنان فأكثر متتابعون، كان معضلًا. والتتابع قيد مهم: سقوط رجل من موضع ورجل آخر من موضع بعيد ليس الصورة نفسها. أما المنقطع فيستعمل استعمالًا عامًا في كل سند لم يتصل، ويستعمل في التقسيم المفصل لما خرج عن الصور الخاصة السابقة، كفقد راوٍ في أثناء الطريق أو فقد رواة في مواضع غير متتابعة.
ويفسر هذا اختلاف بعض التعريفات من غير أن يكون كل اختلاف تناقضًا؛ فقد يقصد المؤلف بالمنقطع الجنس العام، وقد يقصد نوعًا في مقابل المرسل والمعضل. والمقصود العلمي بعد الاسم هو تحديد موضع الفجوة: بين من ومن؟ وكم واسطة سقطت؟ وهل كشفتها رواية أخرى؟ هذه المعلومات تبين أثر الانقطاع أكثر مما يبينه حفظ اللقب وحده.
تطبيق على طريق حديث النيات
في أول صحيح البخاري يروي الحميدي عن سفيان، ثم يحيى بن سعيد، ثم محمد بن إبراهيم، ثم علقمة بن وقاص، ثم عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ. وتظهر في هذا الموضع ألفاظ التحديث والإخبار والسماع على امتداد الطريق. نرى بذلك كيف تُذكر حلقات النقل، وكيف يبيّن كل راوٍ صلته بالخبر الذي يؤديه.
وللتوضيح المجرد، لو حذف ناقل من هذا العرض اسم محمد بن إبراهيم ووصل يحيى بعلقمة، لم يعد عرضه ممثلًا للطريق المذكور في البخاري. هذه صورة افتراضية لشرح معنى الفجوة، وليست اتهامًا لأحد رواة الحديث ولا رواية بديلة له. فالخبر الصحيح يبقى صحيحًا بطريقه الثابت، بينما يحتاج أي طريق مختصر أو مختلف إلى وصفه وتحقيقه على حدة.
المراجع
علوم الحديث — معرفة المتصل
يبيّن أن الاتصال وصف للطريق يمكن أن يجتمع مع الرفع أو الوقف.
نخبة الفكر — السقط من الإسناد
يرتب صور السقط بحسب موضعه وعدده وتتابعه، ويربط كشفه بمعرفة تواريخ الرواة.
علوم الحديث — معرفة المرسل
يفسر الصورة المشهورة للمرسل ووجود استعمال أوسع للكلمة في بعض كتب العلم.
علوم الحديث — معرفة المعضل
يدعم التمييز بين مجرد الانقطاع وبين سقوط عدة وسائط من الطريق.
علوم الحديث — معرفة المنقطع
يبين اختلاف سعة المصطلح، وضرورة معرفة استعمال المؤلف عند وصف الأسانيد.
صحيح البخاري — حديث النيات
طريق صحيح محدد تستخدم أسماؤه وصيغ أدائه لشرح الاتصال، مع فصل المثال الافتراضي عن الرواية الفعلية.
نزهة النظر: شروط الاتصال والعنعنة
يعرض ابن حجر الفرق بين الاكتفاء بالمعاصرة الممكن معها اللقاء وإثبات وقوعه، ويفرق بين عنعنة غير المدلس ورواية المدلس بصيغة محتملة.
سؤال للمراجعة
سقط راوٍ من وسط السند، ثم سقط راوٍ آخر في موضع غير متتابع معه؛ هل يكفي العدد لتسميته معضلًا؟
الإجابة وشرحها
لا. المعضل يتطلب سقوط اثنين فأكثر على التوالي. أما السقط المتفرق فيدخل في المنقطع بحسب التقسيم المفصل.
سؤال للمراجعة
هل يمكن أن يكون الخبر متصلًا وموقوفًا في الوقت نفسه؟
الإجابة وشرحها
نعم. إذا اتصل إسناده إلى الصحابي وكان الكلام كلامه، فهو متصل من جهة الطريق وموقوف من جهة النسبة.
