علوم الحديث لطالب العلم · 4 / 8
مراتب النسبة: المرفوع والموقوف والمقطوع
تحديد صاحب القول أو الفعل، وفصل جهة النسبة عن الحكم على صحة الطريق واتصاله.
فهرس هذا الباب
إلى من ينتهي الخبر؟
المرفوع هو ما أضيف إلى النبي ﷺ، سواء أكان قولًا أم فعلًا أم تقريرًا أم صفة. والرفع يحدد الجهة المنسوب إليها الخبر؛ لذلك يدخل فيه من حيث هذا الوصف ما صح وما ضعف، وما اتصل وما انقطع. فإذا قال تابعي: قال رسول الله ﷺ، فخبره مرفوع من جهة النسبة، ومرسل من جهة الطريق. ليس في اجتماع الوصفين تناقض، لأن كلًا منهما يجيب عن سؤال مختلف.
والموقوف ما أضيف إلى الصحابي من قوله أو فعله، من غير أن ينسبه إلى النبي. أما المقطوع فهو ما أضيف إلى التابعي أو من بعده. لا تعني هذه الأسماء ترتيب الناس في صدق كل خبر بعينه؛ فقد يثبت القول عن تابعي ولا يثبت خبر نُسب إلى النبي. ولا تعني كلمة «مقطوع» أن الإسناد منقطع؛ فالأولى هنا وصف للنسبة، والثانية وصف لفجوة في الطريق.
مثال يجمع المرفوع والموقوف
في صحيح البخاري يروي عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ أخذ بمنكبه وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». ثم يعقب الخبر بأن ابن عمر كان يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». الجملة الأولى مرفوعة لأنها من كلام النبي، والثانية موقوفة لأنها من كلام ابن عمر. وقد اجتمعتا تحت رقم حديث واحد، لكن وحدة الموضع لا تجعل قائلهما واحدًا.
توضح عبارة ابن عمر أثر الوصية في فهمه واستعداده للعمل؛ فهو يربط قصر الإقامة باغتنام الصحة والحياة. وتساعد معرفة المتكلم على قراءة هذا البناء: تعليم نبوي يتلوه توجيه صحابي متصل بمعناه. فقولنا إن الجزء الثاني موقوف لا يلغيه من المعرفة، بل يحفظ نسبته الصحيحة ويمنع أن ننقل شرح الصحابي على أنه لفظ قاله النبي.
المقطوع والرفع الحكمي
ومن المقطوع قول محمد بن سيرين الذي أورده مسلم في مقدمته عن عناية العلماء بتسمية رجال الإسناد. فابن سيرين تابعي يصف شأن الرواية، ويسوق مسلم طريقه إلى هذا القول. فائدته أنه شهادة من عالم على ممارسة علمية، وليس أمرًا نبويًا لمجرد وجوده في كتاب من كتب الحديث. وهذا يفسر كثرة أقوال العلماء في مقدمات المصنفات وأبواب العلم.
وقد تكون عبارة الصحابي موقوفة في صورتها اللفظية، ولها حكم الرفع لقرينة تدل على مصدرها. يذكر ابن الصلاح مثال قول الصحابي «أمرنا» أو «نهينا» في الأحكام، ويقرر أن جمهور أهل العلم يحملون ذلك على الأمر والنهي النبويين. فالرفع الحكمي استدلال على الجهة المقصودة، وليس إذنًا بتحويل كل رأي لصحابي إلى حديث مرفوع.
لماذا يؤثر هذا الفصل في الفهم؟
قد ينشأ خطأ في النقل من ضم تعليق إلى نص، أو من حذف العبارة التي تحدد المتكلم. وقد ينشأ خطأ في البحث من عدّ الموقوف شاهدًا مرفوعًا من غير دليل. لذلك تتكامل معرفة النسبة مع دراسة الطريق: نبحث أولًا عمن نُسب إليه الخبر، ثم عما يثبت هذه النسبة، ثم عن دلالته. وفي مثال ابن عمر لم نحتج إلى إلغاء إحدى الفقرتين؛ احتجنا إلى إبقاء الحد الفاصل الذي أثبته النقل بين كلام الرسول وفهم الصحابي.
المراجع
علوم الحديث — معرفة المرفوع
يبين استقلال جهة النسبة عن اتصال الإسناد، ويؤسس لإمكان اجتماع الرفع والإرسال.
علوم الحديث — معرفة الموقوف
يحدد معنى الوقف على الصحابي، مع بيان أن طريقه قد يكون متصلًا أو غير متصل.
علوم الحديث — المقطوع وتفريعات الرفع
يفصل المقطوع عن المنقطع، ويشرح بعض القرائن التي تحمل كلام الصحابي على الرفع حكمًا.
صحيح البخاري — كن في الدنيا كأنك غريب
يجمع نصًا نبويًا وتعليق ابن عمر مع الفصل الصريح بين المتكلمين؛ وهو التطبيق الرئيس للدرس.
مقدمة صحيح مسلم — قول ابن سيرين في الإسناد
مثال مسند إلى تابعي، يبين أن رواية كلام العلماء في كتب الحديث لا تجعله كلامًا نبويًا.
سؤال للمراجعة
هل قول ابن عمر «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح» في البخاري 6416 مرفوع لأنه يلي حديثًا مرفوعًا؟
الإجابة وشرحها
لا. النص يصرح بأن ابن عمر هو القائل؛ فهو موقوف، وإن كان متصلًا بمعنى الوصية النبوية التي سبقته.
سؤال للمراجعة
قال تابعي: قال رسول الله ﷺ. ما وصف الخبر من جهتي النسبة والاتصال؟
الإجابة وشرحها
هو مرفوع من جهة نسبته إلى النبي، ومرسل من جهة أن التابعي لم يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ.
