علوم الحديث لطالب العلم · 8 / 8
مختلف الحديث والعلل: فهم التعارض وكشف الوهم
الفرق بين تعارض يبدو في معاني الأخبار وبين خطأ خفي في نقلها، مع مثالين للجمع والنقد.
فهرس هذا الباب
سؤالان لا ينبغي دمجهما
قد يبدو للقارئ أن حديثين يقتضيان أمرين متعارضين، وقد يجد الناقد أن بعض الرواة نقل الحديث على وجه غير محفوظ. المسألة الأولى تتعلق بفهم النصوص التي ثبتت، والثانية بتحقيق صورة النقل نفسها. ويساعد هذا الفرق على التمييز بين مختلف الحديث وعلله؛ فحل إشكال المعنى لا يثبت إسنادًا ضعيفًا، واكتشاف علة في طريق لا يساوي إسقاط كل ما ورد في موضوعه.
يعرض ابن الصلاح في مختلف الحديث تقديم الجمع الممكن الذي تبقى معه دلالة الخبرين، ثم النظر في النسخ إذا ثبت ما يعيّن المتقدم والمتأخر عند تعذر الجمع، وإلا فالترجيح. والجمع بيان اختلاف جهة أو حال أو عموم وخصوص، وليس تركيب معنى بعيد لمجرد التخلص من الإشكال. والنسخ دعوى تاريخية أيضًا، فلا يكفي أن يكون أحد النصين أقصر أو أشد عبارة ليكون متأخرًا.
تطبيق: النهي عن الكتابة والإذن بها
في صحيح مسلم عن أبي سعيد نهي عن كتابة غير القرآن، وفي صحيح البخاري أمر بكتابة الخطبة لأبي شاه يوم فتح مكة. كلاهما نص ثابت في مصدره، لكن النظر إلى كلمة النهي وحدها أو كلمة الإذن وحدها لا يشرح العلاقة بينهما. وتضيف رواية أبي سعيد نفسها الإذن بالتحديث، فتبيّن أن محل البحث كتابة العلم، لا منع نقل التعليم النبوي مطلقًا.
يسرد النووي وجوهًا لتفسير العلاقة: اختلاف حال الحافظ وحاجته إلى الكتابة، أو النهي عن جمع الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، أو تقدم النهي ثم نسخه بالإذن. فالوجهان الأولان يفسران اختلاف الحال، والثالث يجعل الفرق زمنيًا. وهذه أقوال تفسيرية منسوبة إلى العلماء؛ لا تتضمن الروايتان المذكورتان وحدهما تاريخ كل إذن ونهي بحيث نجزم من ألفاظهما بتسلسل واحد.
العلة: خطأ يخفيه ظاهر مقبول
العلة القادحة في الاصطلاح الدقيق سبب خفي يؤثر في صحة الرواية مع أن ظاهرها السلامة. ومادتها اختلاف الطرق وقرائن الحفظ والسماع، وقد تتعلق برفع خبر موقوف أو وصل خبر مرسل أو تسمية راوٍ. لذلك لا يكفي أن يقال عن جميع رجال سند إنهم ثقات لإغلاق باب البحث؛ فالثقة قد يخطئ في حديث معين.
يذكر ابن الصلاح رواية يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري لحديث «البيعان بالخيار»، وفيها تسمية عمرو بن دينار بين سفيان وابن عمر. ويبين أن أصحاب سفيان رووه عن عبد الله بن دينار، لا عمرو. كلا الرجلين ثقة، لكن محل الخطأ هو تعيين الشيخ الذي حُمل عنه هذا الحديث. كشفته المقارنة، ولم تكشفه قائمة توثيق الأسماء وحدها.
صحة الأصل لا تصحح كل طريق
يصرح ابن الصلاح بأن المتن في المثال صحيح، مع وقوع العلة في الإسناد المعين. ومن طرق أصل الخبر في البخاري رواية نافع عن ابن عمر في ثبوت الخيار للمتبايعين. فلا يجعل ثبوت الأصل اسم عمرو بدل عبد الله صحيحًا، كما لا يبطل خطأ ذلك الطريق الروايات الأخرى الثابتة. لكل حكم نطاق يبينه الدليل.
وبهذا تنتظم علوم الدروس السابقة: معرفة النسبة تحدد صاحب الخبر، والاتصال والرواة يصفان طريقه، وجمع الطرق يكشف الموافقات والفروق، ثم يفهم المعنى في ضوء النصوص الثابتة. وما لا يترجح للباحث بعد ذلك يبقى غير محسوم لديه؛ فتوقفه وصف لحدود معرفته، وليس برهانًا على تناقض النصوص أو صحتها.
المراجع
علوم الحديث — معرفة مختلف الحديث
أساس ترتيب النظر في الأخبار التي يبدو التعارض بين دلالاتها، مع تقديم الجمع الممكن.
صحيح مسلم — النهي عن كتابة غير القرآن
أحد نصي التطبيق، ويجمع النهي عن الكتابة والإذن بالتحديث في الرواية نفسها.
صحيح البخاري — الكتابة لأبي شاه
النص المقابل في التطبيق، وفيه أمر صريح بكتابة الخطبة لرجل سمعها.
المنهاج شرح صحيح مسلم — وجوه تفسير أحاديث الكتابة
يعرض وجوهًا تتعلق بحال الكاتب أو الصحيفة أو النسخ، فيوضح اختلاف طرائق رفع التعارض الظاهر.
علوم الحديث — العلة في اسم راوٍ
مثال نقدي محدد يكشف خطأ اسم الشيخ مع كون الاسمين لثقتين وصحة أصل المتن.
صحيح البخاري — خيار المتبايعين
طريق صحيح مستقل لأصل المعنى؛ يوضح الفرق بين ثبوت المتن وسلامة كل إسناد روي به.
سؤال للمراجعة
ما الفرق بين تفسير النهي عن الكتابة بأنه متعلق بصحيفة واحدة، وتفسيره بأنه منسوخ؟
الإجابة وشرحها
الأول جمع باختلاف حال الكتابة، أما الثاني فيجعل النهي والإذن لمرحلتين مختلفتين ويحتاج إلى مستند يثبت الترتيب الزمني.
سؤال للمراجعة
كيف تقع علة في سند رجاله ثقات، كما في مثال ابن الصلاح؟
الإجابة وشرحها
قد يخطئ ثقة في تعيين شيخ الحديث. في المثال قيل عمرو بن دينار، بينما دلت روايات أصحاب سفيان على عبد الله بن دينار؛ والتوثيق العام للاسمين لا يصحح هذا الاستبدال.
