علوم الحديث لطالب العلم · 7 / 8
التخريج وجمع الطرق: تطبيق على حديث النيات
تعيين المصادر لا يكتمل بجمع أسمائها؛ فالمقارنة بين الأسانيد والألفاظ تكشف العلاقات بين الروايات وحدود كل عزو.
فهرس هذا الباب
من العزو إلى دراسة الرواية
التخريج في هذا الدرس هو تعيين مواضع الخبر في مصادره الحديثية، مع بيان ما يحتاج إليه البحث من طرقه وألفاظه وأحكام أهل العلم عليه. فقولنا «رواه البخاري» يحدد مصدرًا، لكن تعيين الكتاب والحديث يحدد الرواية التي نتحدث عنها. وقد يكرر المصنف الحديث بألفاظ أو أسانيد مختلفة، فتكون الدقة في الموضع جزءًا من الدقة في العزو.
أما جمع الطرق فهو جمع روايات الخبر ليتبين من وافق من، وأين اجتمعت الأسانيد وأين افترقت، وما الألفاظ المشتركة والزائدة. ويسمى تتبع الموافقات في هذا الباب اعتبارًا. ليست فائدته التقوية دائمًا؛ فقد تكشف المقارنة وهمًا أو تفردًا مؤثرًا. فالجمع يقدم مادة الحكم، ولا يسبقها بحكم أن كل طريق جديد زيادة في الصحة.
المصدران في المثال
ورد حديث النيات في أول صحيح البخاري، من طريق الحميدي عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. وورد في صحيح مسلم برقم 1907a، من طريق عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، ثم الرجال أنفسهم إلى عمر. هنا لا نكتفي بأن الكتابين أخرجا الحديث؛ نرى كيف وصل كل مصنف إليه.
يفترق الطريقان قبل يحيى بن سعيد، ثم يجتمعان عنده: أخذ سفيان عنه، وأخذ مالك عنه. ولذلك تكون رواية مالك متابعة لسفيان عند الشيخ المشترك يحيى. لكنها لا تضيف صحابيًا آخر إلى أصل الحديث، لأن الطريقين ينتهيان إلى عمر. فعدد الكتب التي تروي الخبر، وعدد الشيوخ المتابعين في طبقة، وعدد الصحابة الناقلين ثلاثة أعداد لا يصح الخلط بينها.
الألفاظ لا تنسب إلى موضع غيرها
في موضع البخاري الأول جاء «إنما الأعمال بالنيات»، وفي موضع مسلم المذكور «إنما الأعمال بالنية». كما تذكر رواية مسلم الهجرة إلى الله ورسوله صراحة، بينما ينتقل لفظ البخاري في هذا الموضع إلى الهجرة لدنيا أو امرأة. يشترك الخبران في أصل تعليق العمل بالقصد، مع اختلاف مقدار اللفظ المسوق وصيغته.
هذا الفرق لا يقتضي تناقض الروايتين؛ فالزيادة المذكورة لا تنفي ما في الأخرى. لكنه يمنع أن ننقل نص مسلم كاملًا ونقول إن جميع ألفاظه هي لفظ البخاري رقم 1. يمكن عزو أصل الحديث إلى الكتابين، مع بيان المصدر الذي أخذ منه النص المعروض. وتظهر هنا فائدة جمع الطرق في الشرح أيضًا؛ إذ يوضح اللفظ الأطول جزءًا لم يُسق في الموضع الأقصر.
ماذا أنتجت المقارنة؟
أنتج التطبيق معرفة محددة: حديث صحيح موجود في الصحيحين، وطريقان يلتقيان عند يحيى، ومتابعة في هذه الطبقة، وفروق محفوظة في الموضعين المعينين. ولم ينتج استيعاب جميع طرق الحديث، ولا إثبات أنه روي عن صحابيين. وبهذا يصبح التخريج وصفًا أمينًا لما تبين من الأدلة، وليس قائمة طويلة من أسماء المصادر.
وتتوسع هذه المقارنة في سائر الأخبار؛ فموافقة الراوي من طريق آخر عن الصحابي نفسه تسمى متابعة في الاستعمال الشائع، وما جاء عن صحابي آخر يشهد للمعنى يسمى شاهدًا، وقد تتداخل الألفاظ عند بعض المصنفين. والعبرة وراء التسمية بمعرفة مقدار استقلال الطريق ومحل موافقته. هذه هي الصلة العملية بين التخريج والاعتبار ونقد الحديث.
المراجع
علوم الحديث — الاعتبار والمتابعات والشواهد
يفسر البحث عن موافقة الرواة ودرجاتها، ويبين اختلاف بعض استعمالات المتابعة والشاهد.
علوم الحديث — معرفة الحديث المعلل
يبين أن جمع الروايات قد يكشف الخطأ، فلا تكون وظيفته التقوية فقط.
صحيح البخاري — حديث النيات
يمثل الطرف الأول من المقارنة، بإسناده ولفظه المحددين في هذا الموضع.
صحيح مسلم — الأعمال بالنية
يمثل الطرف الثاني، ويكشف متابعة مالك لسفيان عند يحيى والفروق اللفظية بين الموضعين.
سؤال للمراجعة
أين يلتقي طريق البخاري 1 بطريق مسلم 1907a، وماذا يثبت هذا اللقاء؟
الإجابة وشرحها
يلتقيان عند يحيى بن سعيد؛ فسفيان ومالك يرويان عنه. وهذه متابعة في تلك الطبقة، لا طريق عن صحابي آخر غير عمر.
سؤال للمراجعة
هل يجوز أن ننقل جملة الهجرة إلى الله ورسوله من مسلم وننسب جميع النص إلى لفظ البخاري 1؟
الإجابة وشرحها
لا. يمكن القول إن أصل الحديث متفق عليه، مع تعيين أن هذا اللفظ من رواية مسلم المذكورة؛ فالموضع الأول من البخاري لم يسق تلك الجملة.
