الحديث: أسئلة واعتراضات · 1 / 8
إذا كان القرآن كاملًا، فلماذا نحتاج إلى السنة؟
كمال القرآن لا يعني الاستغناء عن الرسول الذي أمر القرآن باتباعه. السنة الصحيحة بيانٌ للدين وحجة بأمر الله، وليست كتابًا ينافس القرآن.
فهرس هذا الباب
كمال الرسالة يشمل بيان الرسول
يقوم هذا الاعتراض على تصور أن الكتاب الكامل ينبغي أن يورد كل تفصيل بنفسه، وأن الرجوع إلى بيان من خارجه يدل على نقصه. لكن هذه المقدمة ليست لازمة: فالكتاب قد يبيّن الأصل ويعيّن الجهة المخوّلة بشرحه وتطبيقه. والقرآن لم يترك هذه الجهة مجهولة؛ بل أمر بطاعة رسول الله ﷺ والاحتكام إليه. لذلك يكون الأخذ بالسنة امتثالًا لما قرره القرآن، لا استدراكًا لنقص فيه.
قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ثم قال في الآية نفسها: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. يشرح ابن كثير الرد إلى الله بالرد إلى كتابه، وإلى الرسول بالرجوع إلى سنته. فالآية لا تجعل قول أي إنسان حجة مطلقة؛ وإنما تخص الرسول بهذه المنزلة لأنه المبلّغ عن الله.
الرسول يبلّغ ويبيّن
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وبيان الرسول يجمع القول والعمل: يشرح معنى، ويعلّم عبادة، ويقضي بين الناس، ويبيّن ما أُمروا به. لا تُفهم حياته التعليمية على أنها مجرد تسليم نص مكتوب ثم ترك الأمة دون تعليم. وقد حفظ الصحابة هذا البيان كما تلقوا عنه تلاوة القرآن، مع بقاء الفرق بين القرآن والسنة في اللفظ والخصائص وطريق الإثبات.
تظهر الحاجة إلى هذا البيان في الصلاة. فالمسلم يعرف من القرآن وجوب إقامتها، ثم يتعلّم من النبي ﷺ هيئتها وأوقاتها وجملة أحكامها. وفي حديث مالك بن الحويرث أمرهم ﷺ أن يصلوا كما رأوه يصلي، وأن يعلّموا أهلهم. هنا ليست السنة منافسًا للأمر القرآني، بل صورته المعلَّمة التي عرف المسلمون بها كيفية الامتثال.
هل طاعته خاصة بمن عاش معه؟
كان الصحابي يسأل الرسول ﷺ ويسمع الجواب مباشرة، أما الأجيال اللاحقة فتعرف تعليمه بالنقل الموثق. موت المعلّم لا يحوّل تعليمه إلى غير ملزم إذا كانت رسالته باقية. والقرآن الذي يأمر باتباع الرسول يخاطب المؤمنين ولا يقصر الإيمان برسالته على جيل الصحابة. لهذا جمع العلماء بين بقاء الاتباع وبين البحث الدقيق فيما ثبت من أخبار الرسول.
هذه هي الحجة التي يشرحها ابن باز عند مناقشة الاكتفاء بالقرآن: القرآن يوجب اتباع الرسول، والسنة الصحيحة تنقل بيانه. فلا يكفي أن يسمى قولٌ ما «قرآنيًا» ليكون موافقًا لجميع دلالات القرآن؛ العبرة بأن يبقى الأمر بطاعة الرسول والرجوع إليه معمولًا به، لا أن تفرغ هذه الأوامر من أثرها.
حجية السنة لا تعني تصديق كل رواية
يبقى بعد إثبات الحجية سؤال آخر: هل هذا الحديث بعينه ثابت؟ والجواب عنه لعلوم الرواية والنقد، لا لمجرد وجود العبارة في كتاب أو انتشارها. لذلك يستطيع الباحث أن يثبت وجوب اتباع النبي ﷺ، وأن يناقش في الوقت نفسه صحة نسبة رواية معينة إليه. لا تناقض بين الأمرين؛ بل تنقية السنة مما لم يثبت من صميم خدمتها.
فالنتيجة ليست أن القرآن ناقص أو أن كل ما يُروى سنة واجبة القبول. النتيجة أن الله أنزل كتابه وأرسل رسوله مبيّنًا له، وأن اتباع الرسالة يجمع الأصل وبيانه الصحيح. وما يحتاجه القارئ بعد ذلك هو معرفة هذا البيان بأدلته وشرحه، وهو ما نشأت لخدمته علوم الحديث والفقه وأصوله.
المراجع
طاعة الرسول والرد إليه
يشرح ابن كثير الأمر بطاعة الرسول والرجوع إلى سنته عند التنازع. وجه الاستدلال أن القرآن نفسه يجعل لبيان الرسول مرجعية، فلا يكون اتباع القرآن إلغاءً لهذه المرجعية.
البيان النبوي للقرآن
أسندت الآية إلى الرسول ﷺ بيان ما نُزّل للناس. يستدل بها على وظيفة البيان مع التبليغ، ولا يستدل بها وحدها على صحة كل نص يُنسب إليه.
السنة ومكانتها في الإسلام وفي أصول التشريع
يجمع الشيخ أدلة وجوب اتباع الرسول، ويبين تلازم الأخذ بالقرآن والسنة. هذا المقال يستفيد من استدلاله بالحجية، ولا ينقل أحكامًا على أشخاص يطرحون سؤالًا أو إشكالًا.
تعليم الصلاة بالقول والفعل
قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث وأصحابه: «صلوا كما رأيتموني أصلي». يجمع الحديث بين تعليم الصلاة بالمشاهدة وتبليغها للأهل، وهو مثال محسوس لبيان السنة للأمر القرآني بالصلاة.
سؤال للمراجعة
هل تضعيف رواية معينة يعني إنكار حجية السنة؟
الإجابة وشرحها
لا. حجية السنة بحث في وجوب اتباع ما ثبت عن الرسول ﷺ، أما تضعيف رواية فبحث في صحة نسبتها إليه. قد يُرفض نص لأنه لم يثبت، مع الإيمان الكامل بحجية السنة الصحيحة.
