الحديث: أسئلة واعتراضات · 7 / 8
لماذا تبدو بعض الأحاديث متعارضة؟
قد تتغير الحال أو يتقدم حكم ويتأخر آخر، وقد يختلف النقل نفسه. دراسة مختلف الحديث تبحث النصوص معًا وتفسر سبب اختلافها بالدليل، لا بالتخمين.
فهرس هذا الباب
المشهد الكامل قد يغيّر الفهم
قد يصل إلى القارئ نهي في رواية وإذن في أخرى فيظن أنه أمام تناقض. لكن الرواية المختصرة قد تحفظ جوابًا دون سؤال، أو فعلًا دون بيان حاله، أو حكمًا قبل أن يتغير. لذلك يبدأ تفسير الاختلاف من معرفة ما ينقله كل نص، لا من افتراض أنهما يتحدثان عن ظرف واحد.
شرح الشافعي في باب العلل في الحديث أثر اختلاف الأسئلة والأحوال واختصار المخبر لبعض الخبر. ومعنى ذلك أن السياق جزء من الدلالة، لا أن لكل تعارض سياقًا متخيلًا ننشئه. لا يصح اختراع سبب ورود لم يثبت، أو نسبة حديث إلى زمن معين لمجرد أن ذلك يسهل الجمع بينه وبين غيره.
مثال فيه الترتيب الزمني داخل النص
روى مسلم عن بريدة أن النبي ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». يحمل النص نفسه خبر النهي السابق والإذن اللاحق، ولذلك لا يتناول الحكمان الوقت نفسه. فإذا نقل قارئ النهي وحده ونقل آخر الإذن وحده، بدا الكلام متعارضًا، بينما العبارة الكاملة تصرح بعلاقة السابق باللاحق.
يسمى رفع الحكم المتقدم بدليل شرعي متأخر نسخًا. وفي هذا المثال لا يحتاج ترتيب الحكمين إلى تخمين، لأن النص صرح به. لكن ثبوت النسخ هنا لا يجعل كل نهي وإذن في موضوع آخر ناسخًا ومنسوخًا تلقائيًا؛ لا بد من معرفة التقدم والتأخر وتعذر حمل النصين على حالين مختلفتين حيث يصح ذلك. والمثال يشرح أصل الفكرة دون التوسع في فروع الزيارة التي لها أدلتها وبحوثها الخاصة.
اختلاف الظروف ليس نسخًا
من الصور الأخرى أن يتعلق خطاب بحال، وخطاب آخر بحال مختلفة. فالأمر يتغير وصفه بتغير المخاطَب أو قدرته أو سبب الفعل. وعند ثبوت هذا الفرق لا نحتاج إلى إلغاء أحد النصين أو القول إنهما وقعا في زمنين متعارضين. وقد جمع الشافعي بين النظر في عموم اللفظ وخصوصه وبين السؤال الذي ورد عليه الجواب.
ومع ذلك فالجمع ليس لعبة لغوية تحتمل أي معنى. التفسير المقبول يراعي العربية، وما ثبت من الروايات، والعلاقة بين النصوص. أما حمل الكلام على معنى بعيد لا يساعد عليه لفظ ولا دليل، فلا يصبح قويًا لمجرد أنه يزيل الإشكال في الظاهر. ولهذا توجد مناقشات بين الشراح في وجوه الجمع، وقد يكون بعضها أقوى من بعض.
وقد يكون الخلل في نقل إحدى الروايتين
ليس كل ما نُسب إلى النبي ﷺ ثابتًا على درجة واحدة. فإذا خالفت رواية معلولة رواية محفوظة، فإن المقارنة النقدية قد تبين أن المشكلة في نسبة اللفظ الأول أصلًا. يذكر الشافعي الترجيح بثبوت الخبر والدلائل المؤيدة له، فلا يسوّي بين خبرين متفاوتين في القوة ثم يبحث عن جمع متكلف بينهما.
وقد يبقى للباحث إشكال لم يصل إلى حله. حينها يكون التوقف المحدد أصدق من قول لا دليل عليه، ولا يلزم منه الحكم بأن جميع السنة متناقضة. القضية الواحدة تُبحث بنصوصها وقرائنها. وما يعرضه هذا المقال هو تفسير قابل للفهم في مثال الزيارة، وبيان لأهم مسالك الدراسة؛ لا شهادة بأننا استوعبنا جميع أمثلة مختلف الحديث أو حسمنا كل خلاف فيها.
المراجع
اختلاف الأجوبة والأحوال والروايات
يفصل الشافعي أسباب ظهور الاختلاف، ويربط العمل بالنص بما يبين حاله وثبوته. هذه مسالك للاستدلال وليست أسباب ورود مخصوصة لكل حديث مجهول السياق.
النهي السابق والإذن بزيارة القبور
صرح الحديث بتقدم النهي ثم الإذن. لذلك يصلح مثالًا على تغير الحكم المؤرخ في النص، دون افتراض تواريخ أو أحكام تفصيلية لم يدرسها المقال.
سؤال للمراجعة
لماذا لا يتناقض النهي والإذن في مثال زيارة القبور؟
الإجابة وشرحها
لأن الحديث نفسه يقرر أن النهي كان سابقًا ثم جاء الإذن؛ فلا يثبت الحكمان للزمن نفسه. لا يجوز تعميم دعوى النسخ على نصين آخرين دون دليل على العلاقة الزمنية بينهما.
