فهم السنة، تعلّمها، والعمل بها

الأبواب

الحديث: أسئلة واعتراضات · 2 / 8

هل تأخر تدوين الحديث يعني أنه لم يُحفظ؟

تاريخ تأليف كتب الحديث ليس تاريخ بدء الرواية. عرف الجيل الأول الحفظ والكتابة، ثم جاءت مراحل الجمع والتصنيف والنقد؛ ولكل مرحلة شواهدها ووظيفتها.

فهرس هذا الباب

ثلاثة أشياء لا تعني الشيء نفسه

تُستعمل كلمة التدوين أحيانًا لمعانٍ مختلفة: كتابة رجل ما سمعه في صحيفة، وجمع الروايات المتفرقة، وترتيبها في كتاب جامع ذي أبواب وشروط. فإذا قيل إن صحيح البخاري ألّف في القرن الثالث، فذلك تاريخ مصنَّف بعينه، لا تاريخ أول حديث نُقل أو كُتب. والخلط بين هذه المعاني هو أصل الاستنتاج أن قرنين كاملين مرا دون نقل أو توثيق.

في صحيح البخاري يذكر أبو هريرة أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، بينما لم يكن هو يكتب. ليس معنى هذا أن جميع الصحابة كانت لهم كتب، ولا أن البخاري يعرض علينا مخطوطًا أصليًا لتلك الصحيفة؛ وإنما هو خبر مسند عن كتابة مبكرة. وفي قصة أبي شاه طلب رجل أن تُكتب له خطبة سمعها، فأمر النبي ﷺ بالكتابة له. كلا الخبرين يناقض دعوى أن الرواية الإسلامية نفسها تخلو من أي شاهد على الكتابة في العصر النبوي.

لماذا نُهي عن الكتابة في حديث آخر؟

ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه»، وفي الحديث نفسه الإذن بالتحديث والتحذير من الكذب. فلا يصح تحويل النهي إلى منع مطلق من تبليغ السنة؛ لأن تتمة النص تجيز التحديث. لكن الجمع بين هذا النهي وبين أحاديث الإذن بالكتابة سؤال حقيقي بحثه العلماء، وليس نصًا يجب إخفاؤه.

عرض النووي في شرح الحديث وجوهًا للجمع: أن النهي كان عند خشية اختلاط غير القرآن به ثم زالت الخشية، أو أنه يتعلق بكتابة القرآن وغيره في صحيفة واحدة، أو باختلاف أحوال من يحتاج إلى الكتابة ومن يُخشى اتكاله عليها. هذه أقوال تفسيرية لعلماء، وليست كلها وقائع تاريخية مستقلة ثبتت بحديث يحدد وقت كل نهي وإذن. والقدر الواضح من مجموع النصوص أن في الرواية نهيًا في سياق، وإذنًا ثابتًا في سياقات أخرى، فلا يستقيم حذف أحد الجانبين.

من الصحف إلى المصنفات

أورد البخاري في باب «كيف يقبض العلم» طلب عمر بن عبد العزيز من أبي بكر بن حزم أن يجمع حديث رسول الله ﷺ خشية ذهاب العلم وموت العلماء. هذا أثر في عنوان الباب، وليس هو الحديث النبوي رقم 100 الذي يأتي بعده. ودلالته أن الجمع المنظم استهدف حفظ علم يتناقله أهله، لا إنشاء أقوال جديدة ونسبتها إلى الرسول.

ثم تطور التصنيف: يجمع المصنف أحاديث الأحكام على أبواب، أو يرتب الروايات بحسب الصحابة، أو يشترط درجة معينة للقبول. بهذا نفهم لماذا لا يدل اختلاف تواريخ الكتب على اختلاف تاريخ نشأة المادة كلها. فالكتاب المتأخر قد يجمع طرقًا ومصادر أقدم، وتصبح أسانيده جزءًا من مادة البحث في صلته بمن سبقه.

ما الذي يثبت الثقة برواية معينة؟

لا تكفي الكتابة وحدها لتصحيح الخبر؛ فقد يخطئ الكاتب كما قد يخطئ الحافظ. لذلك درس المحدثون السماع واللقاء، وضبط الراوي، وروايات زملائه، وما حفظه كتابه وما دخله من تغيير. الحفظ والكتابة وسيلتان متكاملتان حين تقترنان بالمقابلة والنقد، وليستا ضمانًا آليًا لكل نص وصل إلينا.

وجواب اعتراض التأخر محدد: لا يصح اتخاذ تاريخ تصنيف كتاب متأخر دليلًا على انعدام النقل قبله. أما من يسأل تاريخيًا عن صحة كل شاهد مبكر، فله أن يبحث أسانيده ومصادره وتعدد طرقه؛ لا نقدم له خبرًا تراثيًا على أنه فحص أثري لمخطوط معاصر. هذه التفرقة تحفظ قوة الجواب، لأنها تثبت ما تدل عليه الشواهد فعلًا ولا تحملها دعوى أوسع.

المراجع

  1. كتابة عبد الله بن عمرو

    الإمام البخاري · صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث 113

    يشهد أبو هريرة في الرواية أن عبد الله بن عمرو كان يكتب. يستفاد منها وجود كتابة فردية مبكرة، لا أن جميع الحديث جُمع آنذاك في كتاب واحد.

  2. الإذن بالكتابة لأبي شاه

    الإمام البخاري · صحيح البخاري، حديث 2434، في خبر خطبة فتح مكة

    طلب أبو شاه كتابة الخطبة، فجاء الأمر النبوي بكتابتها له. هذه واقعة إذن محددة تقرأ مع خبر النهي، فلا يصح تعميم المنع مع إغفالها.

  3. النهي عن كتابة غير القرآن

    الإمام مسلم · صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث 3004

    يشتمل النص على النهي عن الكتابة، والإذن بالتحديث، والتحذير من الكذب. عرض عناصره معًا يمنع فهمه على أنه إلغاء لتبليغ السنة.

  4. شرح حديث النهي عن الكتابة

    يحيى بن شرف النووي · شرح صحيح مسلم، الجزء 18، شرح الحديث 3004

    يعرض النووي وجوه الجمع بين النهي والإذن. المقال يلخص هذه الوجوه وينسبها إليه، دون الجزم بتأريخ لم يصرح به النص.

  5. طلب عمر بن عبد العزيز جمع الحديث

    الإمام البخاري · كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم؛ التعليق السابق للحديث 100

    الأثر عن عمر بن عبد العزيز يتعلق بجمع ما لدى العلماء خشية فقده. ليس حديثًا مرفوعًا، ولا يحمل رقم الحديث 100 الذي يليه.

سؤال للمراجعة

هل تاريخ تأليف الصحيح يساوي تاريخ أول كتابة للحديث؟

الإجابة وشرحها

لا؛ تأليف الصحيح مرحلة تصنيف وانتقاء، وقد سبقتها كتابة فردية ورواية وجمع. وتثبت صحة الرواية المعينة بدراسة نقلها، لا بمجرد قِدم الكتاب أو حداثته.

احفظ أو شارك هذه الصفحة

دفتر قراءتك محفوظ على هذا الجهاز.