فهم السنة، تعلّمها، والعمل بها

الأبواب

كتب الحديث وأئمته · 3 / 10

مسلم وصحيحه

كيف صارت المقارنة بين الروايات جزءًا من طريقة عرض الحديث في صحيح مسلم، وما الذي يعلّمنا إياه مؤلفه في مقدمته.

فهرس هذا الباب

من نيسابور إلى مجالس السماع

اسمه مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وفي نسبته إلى نيسابور عنوان لبداية رحلة لا لحدودها. يذكر الذهبي أن من أوائل سماعه مجلس يحيى بن يحيى، وأنه حج شابًّا وسمع في مكة، ثم اتصلت رحلته إلى شيوخ العراق والحرمين ومصر. لم تكن الرحلة زينة تضاف إلى ترجمة المحدث؛ فكل مجلس يتيح سماع أصل، ومقارنة أداء شيخ بأداء آخر، ومعرفة رجال لا يكفي أن تبلغ الطالب أسماءهم.

ونتيجة هذه الخبرة ليست كتابًا يجمع كل ما سمعه صاحبه. يقرر ابن الصلاح أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا جميع الصحيح ولم يلتزما ذلك. فوجود الحديث في صحيح مسلم شهادة نقدية مهمة له، لكن غيابه لا يساوي الحكم بضعفه؛ لأن الاختيار والتأليف غير الإحصاء الشامل للمرويات.

المقدمة تكشف غرض المصنف

تبدأ مقدمة مسلم باستجابة لسائل يريد مجموعًا من الأخبار مضبوطًا غير مثقل بكثرة التكرار. ويشرح المؤلف أن القليل الذي يحسن صاحبه فهمه أيسر نفعًا من الكثير الذي يعجز عن ضبطه. هذه عناية بالمتعلم، لكنها لا تعني حذف الفروق المؤثرة من أجل الاختصار؛ فالمعيار هو ما يضيفه الطريق إلى فهم الحديث أو نقده.

ولهذا يستثني مسلم من ترك التكرار ما يحمل زيادة معنى أو إسنادًا يحتاج إلى إبرازه. ويشرح تفاوت الرواة في الحفظ والإتقان، ويضرب أمثلة للمقارنة بينهم، ويتجنب روايات المتهمين. فلا يصح اختزال مقدمته في شعار قبول كل من عُرف بالصدق؛ إذ الصدق وحده لا يصف مقدار ضبط الراوي، ولا يفسر موافقته لأصحاب شيخه أو مخالفته لهم.

حديث النية في أكثر من أداء

أورد مسلم حديث عمر في النية من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر. ثم جمع طرقًا أخرى إلى يحيى بن سعيد، منها طريق الليث وحماد بن زيد وسفيان، وأحال إلى إسناد مالك ومعنى حديثه. بهذا التنظيم يرى القارئ أن كثرة الطرق هنا تلتقي عند مدار معروف، لا أنها أخبار مستقلة عن صحابة متعددين.

ويشير النص إلى إثبات لفظ السماع من عمر في رواية سفيان؛ وهذه الصيغة تصف العلاقة بين عمر والراوي عنه داخل السلسلة المتقدمة. يحفظ مسلم بهذا التنبيه فرقًا في أداء الإسناد، إلى جانب اتفاق الطرق على معنى المتن. فتجمع الإحالات بين الاختصار وتمكين القارئ من معرفة ما يضيفه كل طريق.

كتاب يربي عين المقارن

من جمال صحيح مسلم أن القارئ قد يرى حول أصل واحد شبكة من الألفاظ والرواة. فيتعلم أن عبارة «بمثله» لا تؤدي دائمًا وظيفة «بنحوه»، وأن إثبات زيادة يحتاج إلى معرفة صاحبها. وليس المقصود أن كل قارئ يستقل من فوره بالحكم على هذه الفروق، بل أن هيئة الكتاب تعرّفه المادة التي يعمل فيها الناقد.

ومن ثمرات هذا البناء إمكان التمييز بين ما يرويه شيخ واحد وما يتابعه عليه غيره، وبين اللفظ المسوق كاملًا والموضع المحال عليه. هذه علاقات يحتاج إليها من يشرح الحديث أو يجمع طرقه. ولهذا اتصلت عناية العلماء بصحيح مسلم بطريقة عرضه، مثلما اتصلت بما انتقاه من الأحاديث.

المراجع

  1. سير أعلام النبلاء: ترجمة مسلم

    شمس الدين الذهبي · الجزء الثاني عشر، أول ترجمة مسلم بن الحجاج، خبر أوائل السماع والرحلة

    يوثق بداية سماع مسلم وحجه ورحلته إلى مجالس الحرمين والعراق ومصر.

  2. مقدمة ابن الصلاح: النوع الأول

    عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح · النوع الأول: معرفة الصحيح، الفائدة المتعلقة بعدم استيعاب الصحيحين

    يفصل بين انتقاء الصحيح في الكتاب وبين استيعاب كل حديث صحيح، ولذلك لا يلزم من عدم التخريج التضعيف.

  3. صحيح مسلم: المقدمة

    مسلم بن الحجاج · صدر المقدمة: غرض الاختصار، أسباب التكرار، وتفاوت النقلة

    نص المؤلف في غرض جمعه وأسباب تكراره وتفاوت النقلة؛ وهو أساس تفسير اختياراته في ترتيب الروايات.

  4. صحيح مسلم: حديث الأعمال بالنية

    مسلم بن الحجاج · كتاب الإمارة، حديث 1907، طريق مالك

    يعرض الأصل الذي تحيل إليه الطرق اللاحقة، ويتيح تمييز تسلسل الإسناد من متن حديث عمر.

  5. صحيح مسلم: الطرق المجموعة لحديث النية

    مسلم بن الحجاج · كتاب الإمارة، حديث 1907، متابعة طرق يحيى بن سعيد

    يجمع النص طرقًا تلتقي عند يحيى بن سعيد، وينبه إلى صيغة سماع داخل الإسناد السابق، فيظهر كيف تحفظ الإحالة فرق الأداء.

سؤال للمراجعة

لماذا لا تدل كثرة الطرق المجموعة عند مسلم لحديث النية على تعدد الصحابة الذين رووه في هذا الموضع؟

الإجابة وشرحها

لأن الطرق المذكورة تلتقي عند يحيى بن سعيد ثم تسير في الإسناد نفسه إلى عمر؛ فتعدد الفروع بعد المدار ليس تعددًا للصحابة.

سؤال للمراجعة

هل خلو صحيح مسلم من حديث يكفي للحكم بأنه ضعيف؟

الإجابة وشرحها

لا؛ مسلم انتقى ولم يلتزم استيعاب جميع الصحيح، والحكم على الحديث الغائب يحتاج إلى دراسة أدلته وطرقه.

احفظ أو شارك هذه الصفحة

دفتر قراءتك محفوظ على هذا الجهاز.