علوم القرآن · 2 / 4
جمع القرآن ورسم المصحف والقراءات: فروق تصنع الفهم
قصة جمع أبي بكر ونسخ عثمان، ثم تعريف الرسم والقراءة والأحرف السبعة، مع مثال من سورة الفاتحة يوضح التنوع المنقول.
فهرس هذا الباب
كلمة الجمع لا تعني حدثًا واحدًا
قد يقصد بجمع القرآن حفظه في الصدر، وقد يقصد جمع مكتوبه في صحف، وقد يراد نسخ المصاحف وجمع الناس عليها. لذلك نبدأ بالسؤال: أي جمع نتحدث عنه؟ يورد صحيح البخاري خبرين متجاورين عن أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما. وفيهما مادة واضحة لفهم الفرق: الأول مرتبط بالخوف من فقد القراء، والثاني باختلاف ظهر بين جماعات من المسلمين في القراءة. واتصال المرحلتين لا يلغي اختلاف الحاجة التي عالجتها كل منهما.
أبو بكر: جمع الصحف بعد اليمامة
لما كثر القتل في وقعة اليمامة أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن، مخافة استمرار القتل في القراء. ثم كلف أبو بكر زيد بن ثابت، وذكر له أنه كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ. يصف زيد تتبعه للقرآن من مواد الكتابة ومن صدور الرجال. فالعمل تثبت وجمع لما تلقوه، لا اختيار مؤلف لألفاظ يراها مناسبة، ولا بداية معرفة المسلمين بالقرآن بعد وفاة نبيهم.
ويذكر الخبر أن الصحف بقيت عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر، ثم عند حفصة بنت عمر. لهذا التفصيل قيمة تتجاوز أسماء الأشخاص: فهو يوضح ما صار إليه المجموع، ويهيئ لفهم استعانة عثمان بهذه الصحف في المرحلة التالية. ولا نحتاج لملء القصة بتفاصيل غير ثابتة كي ندرك جديتها.
عثمان: المصاحف المرجعية ومعالجة الاختلاف
في رواية أنس أخبر حذيفة عثمان بما أفزعه من اختلاف أهل الشام والعراق في القراءة أثناء الغزو. فطلب عثمان صحف حفصة، وكلف زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخها. وأوصى الثلاثة القرشيين إذا اختلفوا مع زيد أن يكتبوه بلسان قريش. ثم رد الصحف إلى حفصة وأرسل المصاحف إلى الأمصار.
وتذكر الرواية أنه أمر بإحراق ما سواها من الصحف والمصاحف. يوضع هذا الإجراء داخل غرضه المصرح به: معالجة التنازع وجمع الناس على مرجع، وليس إنشاء وحي جديد. ولا يلزم من توحيد المصاحف إلغاء كل تنوع صحيح في الأداء؛ فصلة الرسم بالقراءات أوسع من تصور نص لا يقبل إلا وجهًا صوتيًا واحدًا في كل موضع.
الرسم والضبط والقراءة
الرسم هو هيئة كتابة كلمات المصحف وحروفها، أما الضبط فهو العلامات التي تعين على أداء الكلمة، مثل الحركات وعلامة السكون. والقراءة المعتبرة وجه من وجوه أداء القرآن المنقول عن أئمته بأسانيدهم إلى النبي ﷺ، وليست تخمينًا تولده صورة الحروف. فالكتابة والأداء متصلان، لكن اسم أحدهما لا يغني عن الآخر، ومجرد احتمال الرسم لوجه لغوي لا يحوله إلى قرآن.
ويذكر ابن الجزري في ضابط القراءة الصحيحة موافقة العربية، وموافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصحة السند، ثم يشرح اعتبار شهرة القراءة وتلقي أئمة هذا الشأن لها. المقصود هنا فهم اجتماع النقل واللغة والرسم، لا اختزال مسائل ثبوت القراءات المفصلة في فحص شخصي سريع، ولا تجويز تركيب قراءة لم يتلقها أحد.
الأحرف السبعة ليست أسماء القراء السبعة
في حديث عمر وهشام بن حكيم قرأ كل منهما سورة الفرقان على وجه تلقاه، فأقر النبي ﷺ قراءتيهما وذكر أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. فالاختلاف المقبول راجع إلى الإنزال والتلقي. لكن الأحرف السبعة ليست هي القراءات المنسوبة إلى القراء السبعة الذين اشتهر جمع قراءاتهم في مصنفات لاحقة؛ وقد نص ابن الجزري على رد هذا الخلط.
واختلف العلماء في تحديد المراد بالأحرف السبعة تفصيلًا وفي علاقتها بما اشتملت عليه المصاحف العثمانية. لذا نثبت الخبر ونميز المصطلحين، ولا نحول قولًا واحدًا في تفسير الأحرف إلى اتفاق عام. كما لا تعني السبعة أن لكل كلمة سبعة أوجه، ولا أن القارئ مخير في استبدال كلمات القرآن بما يقارب معناها.
مثال الفاتحة: تنوع يزيد المعنى بيانًا
ذكر ابن كثير قراءتي ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وصرح بصحتهما. تتصل الأولى بالمُلْك والسلطان، والثانية بالمِلْك، والمعنيان ثابتان لله ولا يتناقضان. فهذا تنوع قراءة منقول، وليس خطأ طباعة ولا ترجمتين بشريتين. ومن خلاله يدرك الطالب لماذا يتعلم الأداء من أهله، ثم يستعين بالتفسير ليفهم أثر الوجه المقروء في المعنى.
المراجع
صحيح البخاري: جمع أبي بكر
المصدر المباشر لباعث الجمع بعد اليمامة، وتكليف زيد، وتتبعه المكتوب والمحفوظ، ومآل الصحف عند حفصة. ليس في الاستشهاد ادعاء أن القرآن كان مجهولًا قبل الجمع، ولا إضافة تفصيل لشروط الإثبات لم تذكره الرواية.
صحيح البخاري: نسخ عثمان المصاحف
يذكر الخبر اختلاف القراءة الذي نقله حذيفة، وأسماء لجنة النسخ الأربعة، وتعليمات عثمان، واستعارة صحف حفصة وردها، وإرسال المصاحف وإحراق ما سواها. بهذا السياق يفهم العمل العثماني باعتباره معالجة للاختلاف، لا تكرارًا مجردًا لعمل أبي بكر.
النشر في القراءات العشر: أركان القراءة الصحيحة
يفصل النص أركان النقل والرسم والعربية، ويضرب أمثلة لاحتمال الرسم أكثر من وجه، ويشترط في شرح صحة السند شهرة القراءة عند أئمة الفن وعدم عدها من الغلط أو الشذوذ. يناقش أيضًا الخلاف في اشتراط التواتر؛ ولذلك لم يحوّل المقال الضابط إلى دعوى أن كل سند فردي صحيح يكفي وحده لإثبات قرآن.
صحيح البخاري: عمر وهشام والأحرف السبعة
أقر النبي ﷺ ما قرأ به عمر وهشام بعد سماع قراءتيهما، ونسبه إلى الإنزال. الدليل على تنوع مأذون به متلقى، لا على حرية تغيير الألفاظ. ويجب فصل هذا الخبر النبوي عن اصطلاح جمع قراءات سبعة من الأئمة لاحقًا.
النشر: القراءات السبع والأحرف السبعة
يجمع ابن الجزري نصوصًا ترد مساواة القراءات السبع بالأحرف السبعة، وينقل في ص 39 كلام ابن تيمية في أن جمع السبعة اشتهر باختيار ابن مجاهد. كما يعرض اختلاف العلماء في علاقة المصاحف العثمانية بالأحرف، وهو سبب إبقاء المقال هذه الجزئية موصوفة بالخلاف لا بالإجماع.
تفسير ابن كثير: مَلِك ومالك يوم الدين
يصرح ابن كثير بأن القراءتين صحيحتان متواترتان، ثم يشرح المِلْك والمُلْك. أخذ المقال هذا التقرير والبيان دون تبني الأخبار الغريبة الأخرى التي يناقشها التفسير في الصفحة نفسها.
سؤال للمراجعة
أي العبارتين أدق: جمع عثمان قرآنًا جديدًا، أم نسخ مصاحف مرجعية من صحف حفصة لمعالجة الاختلاف؟ وما دليلك؟
الإجابة وشرحها
الثانية؛ فرواية البخاري 4987 تذكر طلب صحف حفصة لنسخها في المصاحف، ثم إعادتها وإرسال المصاحف إلى الأمصار. وهذا عمل في جمع الناس على المرجع المكتوب، لا إنشاء نص جديد.
سؤال للمراجعة
رأى طالب أن كلمة في الرسم تحتمل نطقًا عربيًا لم يتلقه عن قارئ، فعده قراءة قرآنية. أين الخطأ؟
الإجابة وشرحها
موافقة الرسم والعربية لا تغني عن ثبوت النقل والتلقي المعتبر. القراءة ليست احتمالًا لغويًا ينشئه الطالب؛ ومثال مَلِك ومالك مقبول لثبوت القراءتين، لا لمجرد إمكان تصورهما.
