علوم القرآن · 4 / 4
القرآن والسنة: تكامل النقل والبيان وعلوم الفهم
البيان النبوي، ونقد المرويات التفسيرية، واللغة والسياق، ورد المتشابه إلى المحكم، وفهم النسخ بدليله: أدوات متكاملة تظهر في أمثلة صحيحة.
فهرس هذا الباب
البيان وظيفة ثابتة للرسول
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. يبين ابن كثير أن الرسول ﷺ يفصل المجمل ويبين المشكل. فالسنة ليست مادة غريبة نلحقها بالقرآن؛ فالقرآن نفسه يقرر وظيفة البيان النبوي. ومن ثم تجمع الدراسة بين ثبوت ما ينسب إلى الرسول وفهم وجه دلالته على الآية، بدل الاكتفاء بوجود عبارة تفسيرية تحمل عنوان حديث.
وهذا التكامل لا يزيل الفروق بين المصدرين: القرآن كلام الله المتعبد بتلاوته، والسنة الثابتة هدي رسوله وبيانه، وتخضع الأخبار المنسوبة إليه للتحقق من صحتها. لذلك لا يساوي العثور على رواية في كتاب تفسير ثبوتها عن النبي، كما لا يصح رفض البيان الثابت لمجرد أنه خارج ألفاظ الآية.
مثال: ما المراد بالظلم في آية الأمن؟
لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، سأل الصحابة: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فبين النبي ﷺ أن المراد هنا الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقد أخرج البخاري هذا البيان بلفظه في الحديث 3360. فالسؤال نشأ من فهم عام للفظ الظلم، وجاء الجواب يعين المقصود في هذا الموضع.
تلتقي هنا ثلاثة أعمال: رواية حديث ثابت، وتفسير نبوي للآية، وربط آية بآية. ولا يصح تحويل النتيجة إلى قاعدة أن كلمة الظلم لا تعني إلا الشرك في جميع القرآن؛ فالبيان متعلق بالسياق الذي ورد السؤال عنه. وهكذا لا ينافس الحديث تفسير القرآن بالقرآن، بل قد يدلنا النبي نفسه على موضع البيان في القرآن.
لماذا تحفظ كتب التفسير الأسانيد؟
حين يذكر المفسر أسماء ناقلي الخبر يتيح معرفة الطريق الذي وصل به القول، وتعيين قائله: أهو حديث مرفوع إلى النبي، أم تفسير صحابي، أم قول تابعي؟ ليست هذه النسب مرتبة واحدة. ويناقش ابن تيمية في مقدمة التفسير الصحيح والضعيف من المنقول، كما يناقش الأخبار التي لا سبيل إلى الجزم بتفاصيلها. فالإسناد مادة للفحص، وليس زخرفة ولا ختم صحة بمجرد وجوده.
والمفسر يستفيد من نقد المحدثين، ثم يدرس المعنى باللغة والسياق وجمع الأدلة. وقد يختلف مفسران اختلاف تنوع، فيعبر أحدهما عن المعنى ويذكر الآخر مثالًا له. أما إذا تناقضا فعلًا فمجرد نقلهما لا يجعل القولين صحيحين. والعربية ضرورية، لكنها لا تبيح اختيار كل معنى يحتمله المعجم مع إهمال المتكلم والمخاطبين وسياق الكلام.
المحكم والمتشابه: الواضح يفسر المشتبه
تذكر آية آل عمران 7 آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. ويشرح ابن كثير المحكمات بأنها بينات الدلالة يرجع إليها، وأن المتشابه قد يشتبه معناه على بعض الناس. فالمنهج أن يرد القارئ ما أشكل عليه إلى البيان الواضح، لا أن يعزل لفظًا محتملًا ويبني عليه ما يصادم المحكم. وليس وصف الآية بالاشتباه عند قارئ حكمًا بأن القرآن متناقض، ولا أن كل علم بمعناها مستحيل.
ويفيد مثال الظلم السابق في تدريب هذه المهارة: بدل بناء نتيجة شاقة على الفهم الأول، سأل الصحابة فجاء البيان. تعلم السؤال وجمع المواضع أوثق من تحويل الاشتباه إلى عقيدة أو حكم قبل فهم الأدلة.
الناسخ والمنسوخ: تغير الحكم بدليل لا بالتخمين
النسخ في الاصطلاح الأصولي رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر، وهو تشريع في زمن الوحي، لا صلاحية يمنحها العالم لنفسه لإلغاء الأحكام. ومثاله التعليمي تحويل القبلة: يذكر البخاري صلاة النبي ﷺ نحو بيت المقدس بعد الهجرة، ثم توجهه إلى الكعبة. فالعمل الأول كان طاعة في وقته، ثم صار الواجب اتباع الأمر اللاحق؛ وليس التحويل اتهامًا للصلاة السابقة بالبطلان. وتذكر الرواية نفسها نزول ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] في شأن من مات قبل التحويل.
ولا يسمى كل بيان نسخًا؛ فالتخصيص يبين ما لم يدخل في العموم، والتفسير يوضح المراد، بخلاف رفع الحكم السابق. وقد نقد السيوطي التوسع في عد الآيات منسوخة وميز التخصيص من النسخ. فالتكامل بين علوم القرآن والحديث والأصول يعلّمنا تحديد السؤال أولًا: هل ثبت النقل؟ وما المعنى؟ وهل وجد دليل على تغير الحكم وزمنه؟ لكل سؤال أداته، وتكتمل الصورة بجمعها.
المراجع
القرآن وتفسير ابن كثير: وظيفة البيان النبوي
النص القرآني يثبت وظيفة البيان، ويشرح ابن كثير تفصيل المجمل وتبيين المشكل. نقل المقال موضع الاستدلال من الآية ولم يسمه الآية كاملة؛ فبدايتها «بالبينات والزبر».
صحيح البخاري: البيان النبوي للظلم في الأنعام 82
هذه الرواية تتضمن جواب النبي الصريح وبيان الظلم بالشرك والاستشهاد بقول لقمان. اعتمد المقال النص العربي؛ ففي الترجمة الإنجليزية في الصفحة إحالة إلى 6:83، والصواب 6:82 كما يثبت نص الآية. ولم يكتف المقال بروايتي 32 أو 4629 المختصرتين اللتين يختلف عرضهما للجواب.
مقدمة في أصول التفسير: النقل والسياق وطرق البيان
يبحث المؤلف تفاوت المنقول في الصحة، والتفسير بالمثال، وضرورة مراعاة السياق وعدم فرض معنى سابق على النص. واقتصر الاستشهاد على هذه الأصول؛ فوجود حديث ينقله المؤلف أو يحسن إسناده لا يغني عن تخريجه المستقل عند استعماله دليلًا.
تفسير ابن كثير: المحكم والمتشابه
يفسر ابن كثير المحكم بالواضح الذي يرجع إليه، ويصف اشتباه الدلالة على بعض الناس، ويرشد إلى رد المشتبه إلى الواضح. لم يدخل المقال في خلاف الوقف والتأويل عند «إلا الله»، ولم يسمِّ كل تفسير محتمل تفسيرًا صحيحًا.
صحيح البخاري: تحويل القبلة وصلاة من مات قبل التحويل
يذكر الخبر الصلاة نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، ثم التوجه إلى الكعبة، وسؤالهم عمن مات قبل التحويل. جاء المثال لبيان تعاقب الحكمين وصحة العمل الأول في وقته، لا لحصر جميع مسائل نسخ القرآن والسنة في هذا المثال.
الإتقان في علوم القرآن: تمييز النسخ من التخصيص
يعرض السيوطي استعمالات النسخ ثم ينقد الزيادة في عد المنسوخ، ويستبعد قسمًا لا علاقة له بالنسخ وقسمًا هو من المخصوص. يفيد هذا التحرير في عدم تسمية كل رفع لإشكال نسخًا. والاصطلاح الأصولي الموجز في المقال لا يلغي أن لفظ النسخ استعمل في بعض كلام المتقدمين بمعنى أوسع.
سؤال للمراجعة
ما العلوم التي تلتقي في بيان النبي للظلم في الأنعام 82؟ وهل يعني الحديث أن الظلم لا يأتي بمعنى آخر في القرآن؟
الإجابة وشرحها
يلتقي ثبوت الحديث وفهم البيان النبوي وتفسير القرآن بالقرآن، إذ استشهد الرسول بآية لقمان. ولا يعمم هذا المعنى على كل موضع؛ فالحديث يبين المراد بالظلم في الآية المسؤول عنها.
سؤال للمراجعة
ما الفرق بين تحويل القبلة وتصحيح فهم الصحابة لكلمة الظلم؟
الإجابة وشرحها
تحويل القبلة انتقال من حكم سابق إلى حكم لاحق ثابت، مع صحة امتثال الأول في وقته. أما تفسير الظلم بالشرك فبيان للمراد بالآية، وليس إلغاء حكمها؛ لذلك لا يسمى كل بيان نسخًا.
