ومنها : المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين ، حيث لا يكون غريبا ؛ كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلا ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس ؛ فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته ، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم .
ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكا مثلا لو شافهه بخبر أنه صادق فيه ، فإذا انضاف إليه أيضا من هو في تلك الدرجة ؛ ازداد قوة ، وبعد عما يخشى عليه من السهو .
وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث ، المتبحر فيه ، العارف بأحوال الرواة ، المطلع على العلل .
وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور ، والله أعلم .
ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها :
أن الأول : يختص بالصحيحين .
والثاني : بما له طرق متعددة .
والثالث : بما رواه الأئمة .
ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد ، فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه ، والله أعلم .
ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند ؛ أي : في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ، ولو تعددت الطرق إليه ، وهو طرفه الذي فيه الصحابي أو لا يكون كذلك ؛ بأن يكون التفرد في أثنائه ، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد ، ثم يتفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد .
فالأول : الفرد المطلق ؛ كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته ؛ تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر .
وقد يتفرد به راو عن ذلك المتفرد ؛ كحديث شعب الإيمان ؛ وقد تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة ، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح .
وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم ، وفي مسند البزار و المعجم الأوسط للطبراني أمثلة كثيرة لذلك .
والثاني : الفرد النسبي سمي نسبيا لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين ، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا .
ويقل إطلاق الفردية عليه ؛ لأن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا ؛ إلا أن أهل هذا الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته .
فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق .
