والثالث : إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين التحق ، وإلا فيتوقف فيه ، وإذا توقف عن العمل به صار كالمردود ، لا لثبوت صفة الرد ، بل لكونه لم توجد به فيه صفة توجب القبول ، والله أعلم .
وقد يقع فيها ؛ أي : في أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب ؛ ما يفيد العلم النظري بالقرائن ؛ على المختار ؛ خلافا لمن أبى ذلك .
والخلاف في التحقيق لفظي ؛ لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريا ، وهو الحاصل عن الاستدلال ، ومن أبى الإطلاق ؛ خص لفظ العلم بالمتواتر ، وما عداه عنده كله ظني ، لكنه لا ينفي أن ما احتف منه بالقرائن أرجح مما خلا عنها .
والخبر المحتف بالقرائن أنواع :
منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر ، فإنه احتفت به قرائن ؛ منها :
جلالتهما في هذا الشأن .
وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما .
وتلقي العلماء كتابيهما بالقبول ، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر .
إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين ، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين ، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر .
وما عدا ذلك ؛ فالإجماع حاصل على تسليم صحته .
فإن قيل : إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ؛ منعناه .
وسند المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان ، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية ، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة .
وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري : الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحميدي ، وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما .
ويحتمل أن يقال : المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح .
ومنها : المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة ، والعلل .
وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي ، والأستاذ أبو بكر بن فورك بضم الفاء وغيرهما .
