ولاح بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري ، إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال ، والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة ، وأن الضروري يحصل لكل سامع ، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر .
وإنما أبهمت شروط التواتر في الأصل ؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد ، وإنما هو من مباحث أصول الفقه إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه ؛ ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال ، وصيغ الأداء ، والمتواتر لا يبحث عن رجاله ، بل يجب العمل به من غير بحث .
فائدة : ذكر ابن الصلاح أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يعز وجوده ؛ إلا أن يدعى ذلك في حديث : من كذب علي متعمدا ؛ فليتبوأ مقعده من النار .
وما ادعاه من العزة ممنوع ، وكذا ما ادعاه غيره من العدم ؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق ، وأحوال الرجال ، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا على كذب ، أو يحصل منهم اتفاقا .
ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودا وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقا وغربا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها ، إذا اجتمعت على إخراج حديث ، وتعددت طرقه تعددا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط ؛ أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله .
ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير .
والثاني وهو أول أقسام الآحاد : ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين وهو المشهور عند المحدثين : سمي بذلك لوضوحه ، وهو المستفيض ؛ على رأي جماعة من أئمة الفقهاء ، سمي بذلك لانتشاره ، و من فاض الماء يفيض فيضا .
ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور ؛ بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء ، والمشهور أعم من ذلك .
ومنهم من غاير على كيفية أخرى ، وليس من مباحث هذا الفن .
ثم المشهور يطلق على ما حرر هنا وعلى ما اشتهر على الألسنة ، فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدا ، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا .
والثالث : العزيز وهو : أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين ، وسمي بذلك إما لقلة وجوده ، وإما لكونه عز أي : قوي بمجيئه من طريق أخرى .
وليس شرطا للصحيح ؛ خلافا لمن زعمه ، وهو أبو علي الجبائي من المعتزلة ، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال : الصحيح أن يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة ؛ بأن يكون له راويان ، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة .
وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري ، وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر ؛ لأنه قال : فإن قيل : حديث إنما الأعمال بالنيات فرد ؛لم يروه عن عمر إلا علقمة !
قال : قلنا : قد خطب به عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة ، فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه !
كذا قال !
وتعقب عليه بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره ، وبأن هذا لو سلم في عمر منع في تفرد علقمة عنه ، ثم تفرد محمد بن إبراهيم به عن علقمة ، ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمد ؛ على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين .
