فإذا ورد الخبر كذلك وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه والمراد بالاستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع لا أن لا تزيد ، إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب أولى ، وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد أو المسموع ، لا ما ثبت بقضية العقل الصرف .
فإذا جمع هذه الشروط الأربعة ، وهي :
عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم و توافقهم على الكذب .
ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء .
وكان مستند انتهائهم الحس .
وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه .
فهذا هو المتواتر . وما تخلفت إفادة العلم عنه كان مشهورا فقط . فكل متواتر مشهور ، من غير عكس .
وقد يقال : إن الشروط الأربعة إذا حصلت استلزمت حصول العلم ، وهو كذلك في الغالب ، و لكن قد تتخلف عن البعض لمانع .
كأن تحصل الإفادة ولم يحصل العلم كما إذا أخبر من لم يعتقد ذلك الخبر حصلت الإفادة ولم يحصل العلم .
وقد وضح بهذا التقرير تعريف المتواتر .
وخلافه قد يرد بلا حصر أيضا ، لكن مع فقد بعض الشروط ، أو مع حصر بما فوق الاثنين ؛ أي : بثلاثة فصاعدا ما لم يجمع شروط المتواتر ، أو بهما ؛ أي : باثنين فقط ، أو بواحد فقط .
والمراد بقولنا : أن يرد باثنين : أن لا يرد بأقل منهما ، فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السند الواحد لا يضر ، إذ الأقل في هذا العلم يقضي على الأكثر .
فالأول : و هو المتواتر ، وهو المفيد للعلم اليقيني ، فأخرج النظري على ما يأتي تقريره ، بشروطه أي التي تقدمت .
واليقين : هو الاعتقاد الجازم المطابق ، وهذا هو المعتمد : أن الخبر الواحد المتواتر يفيد العلم الضروري ، وهو الذي لا يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه .
وقيل : لا يفيد العلم إلا نظريا !
وليس بشيء ؛ لأن العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي ، إذ النظر : ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يتوصل بها إلى علوم أو ظنون ، وليس في العامي أهلية ذلك ، فلو كان نظريا ؛ لما حصل لهم .
