وهذا التعريف موافق لقول الحاكم : المسند : ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه ، وكذا شيخه من شيخه متصلا إلى صحابي إلى رسول الله (ﷺ) .
وأما الخطيب فقال : المسند : المتصل .
فعلى هذا : الموقوف إذا جاء بسند متصل يسمى عنده مسندا ، لكن قال : إن ذلك قد يأتي ، لكن بقلة .
وأبعد ابن عبد البر حيث قال : المسند المرفوع ولم يتعرض للإسناد ؛ فإنه يصدق على المرسل والمعضل والمنقطع إذا كان المتن مرفوعا ! ولا قائل به .
فإن قل عدده ؛ أي : عدد رجال السند ، فإما أن ينتهي إلى النبي (ﷺ) بذلك العدد القليل بالنسبة إلى أي سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد كثير ، أو ينتهي إلى إمام من أئمة الحديث ذي صفة علية كالحفظ والفقه والضبط والتصنيف وغير ذلك من الصفات المقتضية للترجيح ؛ كشعبة ومالك والثوري والشافعي والبخاري ومسلم ونحوهم :
فالأول وهو ما ينتهي إلى النبي (ﷺ) : العلو المطلق ، فإن اتفق أن يكون سنده صحيحا ؛ كان الغاية القصوى ، وإلا فصورة العلو فيه موجودة ما لم يكن موضوعا ؛ فهو كالعدم .
والثاني : العلو النسبي : وهو ما يقل العدد فيه إلى ذلك الإمام ، ولو كان العدد من ذلك الإمام إلى منتهاه كثيرا .
وقد عظمت رغبة المتأخرين فيه ، حتى غلب ذلك على كثير منهم ، بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه .
وإنما كان العلو مرغوبا فيه ؛ لكونه أقرب إلى الصحة ، وقلة الخطأ ؛ لأنه ما من راو من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه ، فكلما كثرت الوسائط وطال السند ؛ كثرت مظان التجويز ، وكلما قلت ؛ قلت .
فإن كان في النزول مزية ليست في العلو ؛ كأن يكون رجاله أوثق منه ، أو أحفظ ، أو أفقه ، أو الاتصال فيه أظهر ؛ فلا تردد في أن النزول حينئذ أولى .
وأما من رجح النزول مطلقا ، واحتج بأن كثرة البحث تقتضي المشقة ؛ فيعظم الأجر !
فذلك ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح والتضعيف .
وفيه ؛ أي : في العلو النسبي الموافقة ، وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه ؛ أي : الطريق التي تصل إلى ذلك المصنف المعين .
و مثاله : روى البخاري عن قتيبة عن مالك حديثا ...
فلو رويناه من طريقه ؛ كان بيننا وبين قتيبة ثمانية ، ولو روينا ذلك الحديث بعينه من طريق أبي العباس السراج عن قتيبة مثلا ؛ لكان بيننا وبين قتيبة مثلا فيه سبعة .
فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه مع علو الإسناد على الإسناد إليه .
