وأبو حفص الميانجي جزءا سماه ما لا يسع المحدث جهله .
وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها ، واختصرت ليتيسر فهمها .
إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق ، فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور ، فهذب فنونه ، وأملاه شيئا بعد شيء ، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب ، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة ، ( فجمع شتات ) مقاصدها ، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها ، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره ، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره ، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ، ومستدرك عليه ومقتصر ، ومعارض له ومنتصر !
فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك فلخصته في أوراق لطيفة سميتها نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر على ترتيب ابتكرته ، وسبيل انتهجته ، مع ما ضممته إليه من شوارد الفرائد وزوائد الفوائد .
فرغب إلي جماعة ثانيا أن أضع عليها شرحا يحل رموزها ، ويفتح كنوزها ، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك ، فأجبته إلى سؤاله ؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك .
فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه ، ونبهت على خبايا زواياها ؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه ، وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أليق ، ودمجها ضمن توضيحها أوفق ، فسلكت هذه الطريقة القليلة المسالك .
فأقول طالبا من الله التوفيق فيما هنالك :
الخبر قسم من أقسام الكلام يأتي في تعريفه ما يعرف به الكلام ثم يخرج من أقسام الكلام لأنه محتمل للصدق والكذب و هو عند علماء هذا الفن مرادف للحديث .
وقيل : الحديث : ما جاء عن النبي (ﷺ) ، والخبر ما جاء عن غيره ، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها : الإخباري ، ولمن يشتغل بالسنة النبوية : المحدث .
وقيل : بينهما عموم وخصوص مطلق ، فكل حديث خبر من غير عكس .
وعبرت هنا بالخبر ليكون أشمل ، فهو باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق ؛ أي : أسانيد كثيرة ؛ لأن طرقا جمع طريق ، وفعيل في الكثرة يجمع على فعل بضمتين ، وفي القلة على أفعلة .
والمراد بالطرق الأسانيد ، والإسناد حكاية عن طريق المتن .
والمتن هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام .
وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين ، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم أو توافقهم على الكذب ، وكذا وقوعه منهم اتفاقا من غير قصد .
فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح ، ومنهم من عينه في الأربعة ، وقيل : في الخمسة ، وقيل : في السبعة ، وقيل : في العشرة ، وقيل : في الاثني عشر ، وقيل : في الأربعين ، وقيل : في السبعين ، وقيل غير ذلك .
وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد ، فأفاد العلم للحال ، وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الاختصاص .
