ومثال المرفوع من التقرير تصريحا : أن يقول الصحابي : فعلت بحضرة النبي (ﷺ) كذا ، أو يقول هو أو غيره : فعل فلان بحضرة النبي (ﷺ) كذا ، ولا يذكر إنكاره لذلك .
ومثال المرفوع من القول حكما لا تصريحا : مصدرية أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه ، ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح غريب ؛ كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة .
وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص .
وإنما كان له حكم المرفوع ؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له ، و ما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به ، ولا موقف للصحابة إلا النبي (ﷺ) ، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة ، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني ، وإذا كان كذلك ؛ فله حكم ما لو قال : قال رسول الله (ﷺ) ؛ فهو مرفوع ؛ سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة .
ومثال المرفوع من الفعل حكما : أن يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه فينزل على أن ذلك عنده عن النبي (ﷺ) كما قال الشافعي رضي الله عنه في صلاة علي كرم الله وجهه في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين .
ومثال المرفوع من التقرير حكما : أن يخبر الصحابي أنهم كانوا يفعلون في زمان النبي (ﷺ) كذا ؛ فإنه يكون له حكم الرفع من جهة أن الظاهر هو اطلاعه (ﷺ) على ذلك لتوفر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم ، ولأن ذلك الزمان زمان نزول الوحي فلا يقع من الصحابة فعل شيء ويستمرون عليه إلا وهو غير ممنوع الفعل .
وقد استدل جابر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل ، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن .
ويلتحق بقولي : حكما ؛ ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه (ﷺ) ؛ كقول التابعي عن الصحابي : يرفع الحديث ، أو : يرويه ، أو : ينميه ، أو : رواية ، أو : يبلغ به ، أو : رواه .
وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل ، ويريدون به النبي (ﷺ) ؛ كقول ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال : تقاتلون قوما الحديث .
وفي كلام الخطيب أنه اصطلاح خاص بأهل البصرة .
ومن الصيغ المحتملة : قول الصحابي : من السنة كذا ، فالأكثر على أن ذلك مرفوع .
ونقل ابن عبد البر فيه الاتفاق ؛ قال : وإذا قالها غير الصحابي ؛ فكذلك ، ما لم يضفها إلى صاحبها كسنة العمرين .
وفي نقل الاتفاق نظر ، فعن الشافعي في أصل المسألة قولان .
وذهب إلى أنه غير مرفوع أبو بكر الصيرفي من الشافعية ، وأبو بكر الرازي من الحنفية ، وابن حزم من أهل الظاهر ، واحتجوا بأن السنة تتردد بين النبي (ﷺ) وبين غيره ، وأجيبوا بأن احتمال إرادة غير النبي (ﷺ) بعيد .
وقد روى البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له : إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة .
قال ابن شهاب : فقلت لسالم : أفعله رسول الله (ﷺ) ؟ فقال : وهل يعنون بذلك إلا سنته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ؟!
