وقيل : يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته ؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه ، وهذا في الأصح .
وأغرب ابن حبان ، فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية من غير تفصيل .
نعم ؛ الأكثر على قبول غير الداعية ؛ إلا إن روى ما يقوي بدعته ، فيرد على المذهب المختار ، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود، والنسائي في كتابه معرفة الرجال ، فقال في وصف الرواة : ومنهم زائغ عن الحق أي : عن السنة صادق اللهجة ، فليس فيه حيلة ؛ إلا أن يؤخذ من حديثه غير ما لا يكون منكرا إذا لم يقو به بدعته اهـ .
وما قاله متجه ؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ، ولو لم يكن داعية ، والله أعلم .
ثم سوء الحفظ وهو السبب العاشر من أسباب الطعن ، والمراد به : من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه ، وهو على قسمين :
إن كان لازما للراوي في جميع حالاته ، فـهو الشاذ ؛ على رأي بعض أهل الحديث .
أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي إما لكبره أو لذهاب بصره ، أو لاحتراق كتبه ، أو عدمها ؛ بأن كان يعتمدها ، فرجع إلى حفظه ، فساء ، فـهذا هو المختلط .
والحكم فيه أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل ، وإذا لم يتميز توقف فيه ، وكذا من اشتبه الأمر فيه ، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه .
ومتى توبع السيء الحفظ بمعتبر ؛ أي كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه ، وكذا المختلط الذي لم يتميز و كذا المستور والإسناد المرسل وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا ؛ لا لذاته ، بل وصفه بذلك بـاعتبار المجموع من المتابع والمتابع ؛ لأن مع كل واحد منهم احتمال كون روايته معه صوابا أو غير صواب على حد سواء .
فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم ؛ رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين ، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ ، فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول ، والله أعلم .
ومع ارتقائه إلى درجة القبول ؛ فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته ، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه .
وقد انقضى ما يتعلق بالمتن من حيث القبول والرد .
ثم الإسناد وهو الطريق الموصلة إلى المتن .
والمتن : هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام ، وهو إما أن ينتهي إلى النبي (ﷺ) ، ويقتضي لفظه إما تصريحا أو حكما أن المنقول بذلك الإسناد من قوله (ﷺ) ، أو من فعله ، أو من تقريره .
مثال المرفوع من القول تصريحا : أن يقول الصحابي : سمعت النبي (ﷺ) يقول : كذا ، أو : حدثنا رسول الله (ﷺ) بكذا ، أو يقول هو أو غيره : قال رسول الله (ﷺ) كذا ، أو : عن رسول الله (ﷺ) أنه قال كذا ، أو نحو ذلك .
ومثال المرفوع من الفعل تصريحا : أن يقول الصحابي : رأيت رسول الله (ﷺ) فعل كذا ، أو يقول هو أو غيره : كان رسول الله (ﷺ) يفعل كذا .
