وكأنه ترك ذلك استغناء بشهرته عند أهل الفن ، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه : حسن فقط ؛ إما لغموضه ، وإما لأنه اصطلاح جديد ، ولذلك قيده بقوله : عندنا ، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي .
وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها ، فلله الحمد على ما ألهم وعلم .
وزيادة راويهما ؛ أي : الصحيح والحسن ؛ مقبولة ؛ ما لم تقع منافية لـرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة :
لأن الزيادة : إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها ؛ فهذه تقبل مطلقا ؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره .
وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى ، فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها ، فيقبل الراجح ويرد المرجوح .
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل ، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا ، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه .
والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح ، وكذا الحسن .
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى القطان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، والبخاري ، وأبي زرعة الرازي ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة .
وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة ، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك ؛ فإنه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه : ويكون إذا أشرك أحدا من الحفاظ لم يخالفه ، فإن خالفه فوجد حديثه أنقص كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه ، ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه انتهى كلامه .
ومقتضاه أنه إذا خالف فوجد حديثه أزيد من أضر ذلك بحديثه ، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقا ، وإنما تقبل من الحافظ ؛ فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلا على صحته ؛ لأنه لا يدل على تحريه ، وجعل ما عدا ذلك مضرا بحديثه ، فدخلت فيه الزيادة ، فلو كانت عنده مقبولة مطلقا ؛ لم تكن مضرة بحديث صاحبها ، والله أعلم .
فإن خولف أي الراوي بأرجح منه ؛ لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات ؛ فالراجح يقال له : المحفوظ . ومقابله وهو المرجوح يقال له : الشاذ .
مثال ذلك : ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رجلا توفي في عهد رسول الله (ﷺ) ، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه .... الحديث .
وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره .
وخالفهم حماد بن زيد ، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر حديث ابن عباس .
قال أبو حاتم : المحفوظ حديث ابن عيينة . أهـ كلامه .
فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط ، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه .
