وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به ، وإن كان دونه ، ومشابه له في انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض .
وبكثرة طرقه يصحح ؛ وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق ؛ لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر الوصفين به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح ، ومن ثم تطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنا لذاته لو تفرد إذا تعدد .
وهذا حيث ينفرد الوصف .
فإن جمعا ؛ أي : الصحيح والحسن في وصف حديث واحد ؛ كقول الترمذي وغيره : حديث حسن صحيح ؛ فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل ؛ هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها ؟!
وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية .
وعرف بهذا جواب من استشكل الجمع بين الوصفين ، فقال : الحسن قاصر عن الصحيح ، ففي الجمع بين الوصفين إثبات لذلك القصور ونفيه !
ومحصل الجواب أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين ، معينا فيقال فيه : حسن ؛ باعتبار وصفه عند قوم ، صحيح باعتبار وصفه عند قوم آخرين .
وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد ؛ لأن حقه أن يقول : حسن أو صحيح .
وهذا كما حذف حرف العطف من الذي يقول بعده .
وعلى هذا ؛ فما قيل فيه حسن صحيح ؛ دون ما قيل فيه : صحيح ؛ لأن الجزم أقوى من التردد ، وهذا حيث التفرد .
وإلا ؛ أي : إذا لم يحصل التفرد ؛ فـإطلاق الوصفين معا على الحديث يكون باعتبار إسنادين ، أحدهما صحيح ، والآخر حسن .
وعلى هذا ؛ فما قيل فيه : حسن صحيح ؛ فوق ما قيل فيه : صحيح ؛ فقط إذا كان فردا ؛ لأن كثرة الطرق تقوي .
فإن قيل : قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه ، فكيف يقول في بعض الأحاديث : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ؟!
فالجواب : أن الترمذي لم يعرف الحسن المطلق ، وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه ، وهو ما يقول فيه : حسن ؛ من غير صفة أخرى ، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث : حسن ، وفي بعضها : صحيح ، وفي بعضها : غريب ، وفي بعضها : حسن صحيح ، وفي بعضها : حسن غريب ، وفي بعضها : صحيح غريب ، وفي بعضها : حسن صحيح غريب .
وتعريفه إنما هو وقع على الأول فقط ، وعبارته ترشد إلى ذلك ، حيث قال في آخر كتابه : وما قلنا في كتابنا : حديث حسن ؛ فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا ، إذ كل حديث يروي و لا يكون راويه متهما بكذب ، ويروي من غير وجه نحو ذلك ، ولا يكون شاذا ؛ فهو عندنا حديث حسن .
فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه : حسن فقط ، أما ما يقول فيه : حسن صحيح ، أو : حسن غريب ، أو : حسن صحيح غريب ؛ فلم يعرج على تعريفه ؛كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه : صحيح فقط ، أو : غريب فقط .
