خمسة وجوه لصلة السنة بالقرآن، بأمثلة مشروحة من الصلاة وطاعة الرسول والإرث والوصية، مع أدلتها.
كيف تبين السنة القرآن، وما معنى الأحكام الزائدة على ما ذكر فيه بخصوصه؟
القرآن والسنة متصلان في هداية المسلم: يأمر القرآن باتباع الرسول، وتبين السنة مراد الله وتفاصيل العمل. لفهم هذه الصلة نقرأ خمسة وجوه مع أمثلتها؛ وهي عناوين تعليمية تتداخل أحيانًا، لا أدلة متنافسة ولا تقسيمًا وحيدًا عند جميع العلماء.
البيان: من الأمر إلى معرفة كيف نعمل به
البيان اسم واسع لإظهار المراد، ومن أبرز صوره تفصيل المجمل: يرد الأمر في القرآن، وتأتي السنة لتشرح كيفيته. فالقرآن يأمر بالصلاة، ويبين الرسول ﷺ للناس كيف يصلون بقوله وفعله. لا نضيف هنا عبادة أخرى إلى الصلاة؛ بل نتعلم الصلاة التي أمر الله بها.
في حديث مالك بن الحويرث يتصل التعليم بالمشاهدة: أقام هو وأصحابه عند النبي، ثم أمرهم عند رجوعهم أن يصلوا كما رأوه يصلي. يفهم القارئ من هذا أن الفعل النبوي نفسه قد يكون شرحًا مقصودًا، وأن تعليم الدين جمع بين السماع والعمل.
ويمتد البيان إلى تفسير لفظ أو توضيح معنى، فلا ينحصر كله في وصف الحركات. وعند استعماله بالمعنى الواسع يدخل تحته التخصيص والتقييد الآتيان؛ أفردناهما لأن لكل منهما سؤالًا أدق.
التأكيد: اتفاق الكتاب والسنة على الحكم
التأكيد أن تأتي السنة بحكم موافق لما قرره القرآن، فتجتمع دلالة النصين عليه. ومن أمثلته طاعة الرسول: يأمر بها القرآن، ويقرر الحديث أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله. ليس الاتفاق تكرارًا عديم الفائدة؛ فهو يرسخ الحكم ويبين منزلته في تعليم النبي للأمة.
الفرق عن تفصيل المجمل أن المثال هنا يقرر أصل الحكم نفسه، بينما مثال الصلاة السابق يشرح كيفية امتثاله. وقد يجمع الحديث تأكيد أصل مع تفصيل جانب منه، لذلك لا يلزم أن تكون وظائفه صناديق لا تلتقي.
ويعرض ابن القيم في إعلام الموقعين موافقة السنة للكتاب أحد الوجوه الجامعة للعلاقة بينهما. فهذه المصطلحات تصف صلة أدلة متكاملة، وليست درجات يتفاضل بها قدر كلام الرسول.
التخصيص: أي أفراد العام يتناولهم الحكم؟
العام لفظ يشمل أفرادًا متعددين، والتخصيص بيان أن بعضهم لا يدخل في حكمه بدليل. تقول آية المواريث: «يوصيكم الله في أولادكم»، ثم يرد الحديث في اختلاف الدين في الإرث. القرابة موجودة، لكن السنة تبين صورة لا يجري عليها الحكم العام نفسه.
إذن السؤال هنا عن الأفراد: هل كل من تحقق فيه اسم الولد يدخل في الحكم دون اعتبار آخر؟ يبين الحديث أن الجواب ليس كذلك. ويبقى العام معمولًا به في بقية أفراده، فلا يكون تخصيصه إبطالًا للآية.
هذا المثال مذكور عند ابن القيم في بحث تخصيص القرآن بالسنة، ونص الحديث في صحيح البخاري. والغرض هنا فهم العلاقة بين العام والخاص، لا حساب تركة؛ إذ يجمع باب الفرائض أسباب الإرث وشروطه وموانعه جميعًا.
التقييد: وصف أو مقدار يحدد المطلق
المطلق يذكر الحقيقة دون قيد في الجهة محل البحث، كذكر الوصية دون تعيين مقدارها. والتقييد أن يأتي دليل يبين وصفًا أو مقدارًا معتبرًا فيها. ففي آية المواريث وردت الوصية، وبيّن النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص مقدار الثلث مع قوله إن الثلث كثير.
السؤال هنا ليس: أي الأولاد يدخل في حكم الإرث؟ بل: ما المقدار الذي يتناوله الإذن في هذه الوصية؟ بهذا يفترق مثال التقييد عن مثال التخصيص السابق. وتذكر مادة المطلق في الموسوعة الأصولية لوزارة الأوقاف هذا التطبيق بربط الآية بالحديث.
في الحديث أيضًا معنى تربوي: رعاية حال الورثة وعدم تركهم محتاجين. فلا ننظر إلى العدد منعزلًا عن كلام النبي في حقوقهم. ولأبواب الوصية تفاصيل، منها الوصية للوارث وإجازة الورثة؛ المقصود هنا بيان أثر قيد المقدار، لا استيفاء أحكام الباب.
أحكام جاءت بها السنة بنصها
جاءت السنة بأحكام لم يذكرها القرآن بخصوص ألفاظها، ومنها منع الجمع في الزواج بين المرأة وعمتها أو خالتها. تلزم هذه الأحكام لأن الله أمر بطاعة رسوله. ويعبر عنها بعض العلماء بالتشريع المستقل، أي استقلال ذكر الحكم المفصل في السنة، لا استقلال الرسول عن الله في أصل التشريع.
وهذا المثال نفسه يدرسه العلماء من جهة تخصيص عموم الإباحة في القرآن. لا تناقض بين الجهتين: قد ننظر إلى موضع ورود الحكم المفصل، وقد ننظر إلى صلته بعموم قرآني. لذلك عرض ابن القيم وجوه العلاقة في ثلاثة أقسام كبرى، بينما يفصل الدرس صور البيان في عناوين أكثر.
تتضح الصورة الآن: التأكيد يقرر الحكم، وبيان المجمل يشرح ما يحتاج إلى تفصيل، والتخصيص يتعلق بأفراد العام، والتقييد بصفة أو مقدار، والسنة تأتي أيضًا بحكم خاص لم يذكر بنصه في القرآن. يجمعها كلها اتباع رسول الله وفهم هديه مع كتاب الله.
سؤال للمراجعة
لماذا اختلف مثال الإرث عن مثال مقدار الوصية؟
الإجابة وشرحها
الأول يبين أفراد العام، والثاني يقيد المقدار.
اختلاف الدين مثال للتخصيص في باب الإرث، والثلث مثال للتقييد في الوصية. معرفة السؤال الذي يعالجه كل دليل توضح الفرق.